ابن الحسن النباهي الأندلسي
42
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
عليّ بن أبي طالب عنه ؛ فلمّا بلغه قتله ، قال : « ذهب العلم بموت عليّ ! » ومن كلام ضرار فيه ، وقد طلب منه معاوية وصفه بعد وفاته ، فقال : « كان ، واللّه ! بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، إلى غير ذلك من صفاته » . وفي مصنّف أبي داود « 1 » عن عليّ رضي اللّه عنه قال : « بعثني النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم إلى اليمن قاضيا ؛ فقال : « إنّ اللّه ، عزّ وجلّ ، سيهدي قلبك ، ويثبت لسانك ؛ فإذا جلس بين يديك الخصمان ، فلا تقض « 2 » حتّى تسمع من الآخر ، كما سمعت من الأوّل ! فإنّه أحرى أن يتبيّن لك القضاء » . قال : « فما زلت قاضيا ، وما شككت في قضاء بعد » . ولما أفضى الأمر إلى معاوية بن صخر جرى بجهده على سنن من تقدّمه من ملاحظة القضاة ؛ وبقي الرسم على حذو ترتّبه زمانا . ثمّ فتر أيّام يزيد بن عبد الملك وابنه الوليد إلى أن ظهر بنو العبّاس ؛ فظفروا بالملك ، فاشتدّوا في شأن القضاء ، وتخيّروا للأعمال الشرعيّة صدور العلماء ، فدعوا مالك بن أنس ، وابن أبي ذئب ، وأبا حنيفة للقضاء . فأمّا مالك ، فاحتجّ بأن قال : « إني رجل محدود ، ولا يصلح أن يلي القضاء محدود » . واحتجّ ابن أبي ذئب بأن قال : « إني قرشيّ ، ومن يشرك في النسب ، لا ينبغي أن يشرك في الحكم ! » . وقال أبو حنيفة : « إني لمولى ؛ ولا يصلح أن يلي القضاء مولى » ، فاحتجّ كلّ واحد منهم بما علم اللّه صدق نيّته فيه ؛ فعافاهم من محنة القضاء . وفي « طبقات قضاة مصر » لأبي عمر الكنديّ : ولي الحارث بن مسكين القضاء من قبل أبي الفضل جعفر المدعوّ بالمتوكل بن المعتصم ، وأتاه كتابه ، وهو بالإسكندريّة ، فلمّا قرأه ، امتنع من الولاية ، فأخبره أصحابه على ذلك ، وشرطوا عونهم له . قال بعضهم : رأى أحد أشياخ بمصر كأنّ ابن أكتم ذبح الحارث ، فلم يكن حتّى جاءه قضاء مصر ، وكان على يد ابن أكتم قاضي القضاة حينئذ . وفي « تقريب المسالك » : حكى القاضي يونس قال : ولي جعفر المتوكل الحارث قضاء مصر ، بعد أن سجنه على إباية ذلك زمانا . قال محمّد بن عبد الوارث : كنّا عند الحارث ؛ فأتاه
--> ( 1 ) في الأصل : « داود » . ( 2 ) في الأصل : « فلا تقضي » .