ابن الحسن النباهي الأندلسي

43

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

عليّ بن القاسم الكوفيّ ؛ فقال له : « رأيت في النوم الناس مجتمعين في المسجد الحرام ؛ فقلت : « ما اجتماعكم ؟ » فقالوا : « عمر بن الخطّاب جاء ليقعد الحارث بن مسكين للقضاء ! » ، فرأيته أخذه ، وسمّر مقعده في الحائط ، وانصرف ؛ فتبعته . فلمّا أحسّ بي ، قال : « ما تريد ؟ » قلت : « انظر إليك » . قال : « اذهب إلى الحارث ، واقرأه مني السلام ، وقل له يقضي بين الناس بإمارة أنّك كنت بالعراق ، فقمت من الليل ، فعثرت ، فنكبت إصبعك ، ودعوت بذلك الدعاء ، فجئت من الغد . فقال الحارث : « صدقت وهذا شيء ما اطّلع عليه أحد إلّا اللّه . فسألته عن الدعاء ؛ فقال : « يا صاحبي عند كلّ شدّة ، ويا غياثي عند كلّ كربة ، ويا مؤنسي في كلّ وحشة ، صلّ على محمّد ، وعلى آل محمّد ، واجعل لي من أمري فرجا ومخرجا ! » . ومن القضاة بمصر عيسى بن المنكدر بن محمد بن المنكدر ، أيّام ابن طاهر ، أشار به عبد اللّه بن عبد الحكم ، وأعلمه أنه فقير ؛ فأجرى له سبعة دنانير في كل يوم ، وأجازه بألف دينار . وكان رجلا صالحا ، وهو أول قاض أجرى عليه المرتب بمصر . ولمّا امتنع ابن فرّوخ من القبول لخطة القضاء ، وأشار بابن غانم ، وهو عبد اللّه بن عمر بن غانم ، تقدّم من قبل هارون الرشيد بإفريقية ، وذلك في رجب سنة 171 ، وهو ابن اثنتين « 1 » وأربعين سنة ، في حياة مالك . ولمّا بلغته ولايته ، قال : « ما ذلك بخير له ! » وكان يوجّه بمسائله أيام قضائه إليه ، فيما ينزل به من نوازل الخصوم ، ويكتب إلى ابن كنانة « 2 » ؛ فيأخذ له الأجوبة من مالك . وكان له حظّ من صلاة الليل ؛ فإذا قضاها وجلس في التشهّد آخرها ، عرض خصم يريد أن يحكم له على ربّه ؛ فيقول في مناجاته : « يا ربّ » إن فلانا نازع فلانا وادّعى عليه بكذا ؛ فأنكر دعواه ؛ فسألته البيّنة ؛ فأتى بيّنة شهدت له بما ادّعى . وقد أشرفت أن آخذ له من صاحبه بحقّه الذي تبيّن لي أنّه حقّ له ؛ فإن كنت على صواب ، فثبّتني ! وإن كنت على غير صواب ، فاصرفني ! اللّهمّ ! لا تسلمني ! اللّهمّ سلّمني ! فلا يزال يعرض الخصوم على ربّه حتى يفرغ منهم . وراكب يوما الأمير إبراهيم بن الأغلب ، فزادت دابّة إبراهيم في المشي ،

--> ( 1 ) في الأصل : « اثنين » . ( 2 ) هو القاضي الفرج بن كنانة ، وسيترجم له النباهي بعد قليل ( ص 74 ) .