ابن الحسن النباهي الأندلسي
41
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
قاضيا ومعلّما . وقدّم على قضاء البصرة كعب بن سور بخبر عجيب ؛ وذلك أنّ كعبا كان جالسا عند عمر ، فجاءت امرأة فقالت : « ما رأيت رجلا قطّ أفضل من زوجي ! إنّه يبيت ليله قائما ، ويظلّ نهاره صائما ! » فاستغفر لها عمر وقال : « مثلك أثنى بالخير ! » فاستحيت المرأة وقامت راجعة . فقال كعب : « يا أمير المؤمنين ، هلا أعيدت المرأة على زوجها ؟ » فقال : « أذاك أرادت ؟ » قال : « نعم ! » قال : ردّوا على المرأة ! » فردّت . فقال : « لا بأس بالحقّ تقولينه ! إن هذا يزعم أنّك جئت تشتكين ! » قالت : أجل ! إني امرأة شابّة ، وإني أبتغي ما تبتغي « 1 » النساء ! » فأرسل إلى زوجها وقال لكعب : « اقض بينهما » . قال : « فإني أرى لها يوما من أربعة أيام ( وكان زوجها له أربع « 2 » نسوة ) فإذا لم يكن له غيرها ، فإني أقضي له بثلاثة أيام ولياليها يتعبّد فيها ، ولها يوم وليلة » . قال عمر : « واللّه ! ما رأيك الأول بأعجب إليّ من الآخر ! اذهب ! فأنت قاض على البصرة ! » . وهذا من حقوق الزوجة ، إذا فرّط فيه الرجل ، ودعت إليه المرأة ، فحكم به عليه وتطلّق من أجله على زوجها إذا امتنع عنه بغير عذر ، حسبما تضمّنته مسائل هذا الباب ، في موضعه من كتب الفقه . وعلى قول الزّهريّ : أوّل قاض في الإسلام ابن يزيد بن سعيد . وقيل : بل ، أوّل قاض كان زيد بن ثابت . وقيل أيضا مثل ذلك عن أبي الدّرداء . وأمّا أرسخ الصحابة في العلم بالقضاء - رضوان اللّه عليهم أجمعين ! - فهو عليّ بن أبي طالب من غير خلاف . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « وأقضاهم عليّ ! » وكان عمر بن الخطّاب يتعوّذ من معضلة ليس فيها أبو حسن . وقال في المجنونة التي أمر برجمها ، وفي التي وضعت لستّة أشهر : فأراد عمر إقامة الحدّ عليها ؛ فقال له عليّ : إنّ اللّه تعالى يقول : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً « 3 » . وقال له : « إنّ اللّه رجع القلم من الجنون الحديث » . فكان عمر يقول : « لولا عليّ ، هلك عمر ! » وقيل لعطاء : « أكان من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وسلم أحد أعلم من عليّ ؟ قال : « واللّه ما أعلمه ! » وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل له
--> ( 1 ) في الأصل : « يبتغي » . ( 2 ) في الأصل : « أربعة » . ( 3 ) سورة الأحقاف 46 ، الآية : 15 .