ابن الحسن النباهي الأندلسي

40

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

الباب الثاني في سير بعض القضاة الماضين وفقر من أنباء الأمّة المتقدّمين منها ، قال حميد الطويل : لما ولي إياس بن معاوية « 1 » القضاء ، دخل عليه الحسن ، وإياس يبكي ؛ فقال له : « ما يبكيك ؟ » فذكر إياس الحديث : « القضاة ثلاثة ؛ اثنان في النار ، وواحد في الجنّة ! » . فقال الحسن : « إن ممّا نصّ اللّه عليه من نبإ سليمان وداود « 2 » ما يردّ قول هؤلاء الناس » . ثم قرأ : وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ؛ فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً « 3 » ولم يذمّ داود « 4 » . ويروى عن الحسن أيضا أنه قال : لولا ما ذكر اللّه تعالى من أمر هذين الرجلين ، لرأيت أنّ القضاة قد هلكوا ؛ فإنه أثنى على هذا بعلمه وعذر هذا باجتهاده . وأوّل من قدّم قاضيا في الإسلام ؛ على ما حكاه ابن عبد البرّ ، عمر بن الخطّاب ؛ ولّاه أبو بكر الصّدّيق وقال له : « اقض بين الناس ؛ فإني في شغل » . وقد تقدّم قول عثمان بن عفّان لعبد اللّه بن عمر : « اقض بين الناس ؛ فإنّ أباك كان قاضيا » . ونقل عن مالك أنّ معاوية كان أوّل من استقضي في الإسلام . ولمّا جاءت خلافة عمر بن الخطّاب ، وفتحت البلاد ، قدّم بها جملة من الأكابر ؛ فاستقضى شريحا على الكوفة ، ووجّه عبادة بن الصّامت ، وهو أحد النّقباء الاثني عشر ، إلى الشأم

--> ( 1 ) توفي القاضي إياس في سنة 122 ه ، وقيل : 121 ه . وترجمته في وفيات الأعيان ( ج 1 ص 247 - 250 ) والمعارف لابن قتيبة ( ص 467 ) وحلية الأولياء ( ج 3 ص 123 ) وشرح مقامات الحريري للشريشي ( ج 1 ص 113 ) وميزان الاعتدال ( ج 1 ص 283 ) . وأخباره وحكاياته منثورة في كتب الأدب مثل البيان والتبيين والحيوان والعقد والكامل وغيرها . ( 2 ) في الأصل : « وداود » . ( 3 ) سورة الأنبياء 21 ، الآيتان : 78 ، 79 . ( 4 ) في الأصل : « داود » .