ابن الحسن النباهي الأندلسي

36

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

فضايقه ، وعزم عليه ؛ فقال : « لا بدّ أن تلي أو تشير ! » فقال : « أشير عليك برجل من آل زياد ، يسكن بريّة ، يعرف بعامر بن معاوية » . فقبل منه ، وأرسل في عامر ، فولّاه . ومنهم أبو غالب عبد الرؤوف بن الفرج بن أبي كنانة ، كان الأمير عبد اللّه « 1 » بن محمد به معجبا ، وله مفضّلا ؛ وكان قد اشتهى رؤيته من غير أن يستدعيه ؛ فتعرّض لذلك يوم الجمعة من طاق الساباط « 2 » ، فرآه عند رواحه إلى المسجد الجامع ، وأعجبه سمته ، وأحبّ اجتذابه إليه ، وقال : « لا بدّ أن أضمّه إلى الوزارة أو القضاء ! » فذاكر بشأنه الوزير ابن أبي عبدة ، وكان صديقا لأبي غالب ؛ فقال : « ينبغي للأمير أن لا يهجم على الرجل بالاستدعاء ، حتى يعرف ما عنده في ذلك » . فقال له : « فكن أنت الذي يتعرّف ذلك » . قال الكاتب المدعوّ بسكن بن إبراهيم : « فأرسلني الوزير إليه ؛ فعرضت عليه مراد الأمير ؛ فتلقّى ذلك مني بالنطق والتضاحك ، حتى أطمعني في نفسه ؛ وجعل يقول : « كيف كان تنبّهكم لنا بعد طول الغفلة ؟ وما نرى هذا منكم عن صحّة نيّة ؛ فأنتم أشحّ بدنياكم من أن تعطوا منها أحدا شيئا ، وتشركوا فيها صديقا ! » قال سكن : « فلمّا صرت به إلى الجدّ ، تنمّر « 3 » لي ، وقال آخر قوله : « باللّه الذي لا إله إلا هو ! لئن عاودتني أو غيرك ، أو بلغتني فيه عن الأمير عزيمة ، لأخرجنّ عن الأندلس ، فلا أعودنّ إليها آخر الدهر ! » فترك عن ذلك . وقدّم للقضاء بالجزيرة الخضراء وما يرجع إليها ، عبد اللّه بن أحمد بن الحسن الجذاميّ النّباهيّ ، وذلك بإشارة شيخه الأستاذ أبي القاسم بن إبراهيم بن محمد الزّهريّ الإفليليّ ، أيام ولايته الوزراة للمستكفي باللّه . والمستكفي هو محمد بن عبد الرحمن [ بن عبيد اللّه بن عبد الرحمن ] الناصر من بني أميّة ، فأبى من القبول ؛ ووقع العزم عليه في العمل من الأمير ، فنفر ، وقصد الوزير وخلا به . وكان من جملة مقاله له : « سألتك اللّه ! أتعلم أن الولاية لمثلي أولى من الإباية ، فأقف عند إشارتك ؟

--> ( 1 ) ولي عبد اللّه بن محمد الأندلس سنة 275 ه ، وتوفي سنة 300 ه . ترجمته في أخبار مجموعة ( ص 133 - 135 ) وجذوة المقتبس ( ص 12 ) وبغية الملتمس ( ص 16 ) والحلة السيراء ( ج 1 ص 120 - 124 ) . ( 2 ) الساباط : سقيفة بين دارين تحتها طريق . محيط المحيط ( سبط ) . ( 3 ) تنمّر : غضب وساء خلفه . محيط المحيط ( نمر ) .