ابن الحسن النباهي الأندلسي

28

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

منها فارّا بنفسه ، على ما حكاه ابن حارث . فقال هشام عند ذلك : « ليت الناس كلّهم كزياد ، حتى ألغي أهل الرغبة في الدنيا ! » . وممّن عرض عليه القضاء من الفقهاء بالأندلس فأبى من قبوله ، إبراهيم بن محمد بن بار ، دعاه إليه الأمير محمد بن عبد الرحمن لقصّة رفعت من قدره عنده ؛ فأباه فأرسل إليه بذلك هاشم بن عبد العزيز صاحبه ؛ فامتنع عليه ولم يجد فيه حيلة ؛ فأعاد إليه الأمير هاشما بوصية يقول : « إذا لم تقبل قضاءنا ، فاحضر مجلسنا ، وكن أحد الداخلين علينا ، الذين نشاورهم في أمورنا ، ونسمع منهم في رعيّتنا » . فلما استمع رسالته ، قال : « يا أبا خالد ، إن ألحّ عليّ الأمير في هذا ومثله ، هربت واللّه بنفسي من بلده ! فما لي وله ؟ » فأعرض عنه الأمير عند ذلك ، وعلم أنّه ليس من صيده . ومنهم أبان بن عيسى بن دينار « 1 » ، ولّاه الأمير محمد بن عبد الرحمن قضاء كورة جيّان ؛ فأبى ولحّ . فأمر الأمير بإكراهه على العمل وأن يوكل به نفرا من الحرس ، يحملونه إلى حضرة جيّان ، فيجلسونه هناك مجلس القضاء ، ويأخذونه بالحكم بين الناس . فأنفذ الوزراء أمره ، وسار به الحرس ، فأقعدوه بجيّان ؛ فحكم بين الناس يوما واحدا ، فلمّا أتى الليل ، هرب على وجهه ؛ فأصبح الناس يقولون : « هرب القاضي ! » فرفع الخبر إلى الأمير محمد ؛ فقال : « هذا رجل صالح فرّ بدينه ! فليسأل عن مكانه ويؤمّن ممّا أكره ! » . ومن أهل سرقسطة ، قاسم بن ثابت بن عبد العزيز الفهريّ « 2 » ، صاحب « كتاب

--> ( 1 ) هو أبو القاسم أبان بن عيسى بن دينار بن واقد الغافقي القرطبي ، من الفقهاء الصالحين ، رحل إلى المشرق في طلب العلم . توفي سنة 262 ه . ترجمته في قضاة قرطبة ( ص 34 - 36 ، 132 - 133 ) وتاريخ علماء الأندلس ( ص 58 ) وجذوة المقتبس ( ص 171 ) وبغية الملتمس ( ص 238 ) والمقتبس من أبناء أهل الأندلس ، بتحقيق د . محمود علي مكي ( ص 46 ) . ( 2 ) هو أبو محمد قاسم بن ثابت بن حزم العوفي السرقسطي ، المتوفّى بسرقسظة سنة 302 ه . وترجمته في تاريخ علماء الأندلس ( ص 605 - 606 ) وجذوة المقتبس ( ص 331 ) وبغية الملتمس ( ص 448 ) ونفح الطيب ( ج 2 ص 49 ) وطبقات النحويين واللغويين للزبيدي ( ص 309 ) وفهرسة ابن خير ( ص 232 ) .