ابن الحسن النباهي الأندلسي

29

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

الدلائل في شرح غريب الحديث » . دعى للقضاء ببلده ؛ فامتنع من ذلك ، فلمّا اضطرّه الأمير وعزم عليه ، استمهله ثلاثة أيّام ، يستخير فيها اللّه - عزّ وجلّ - فمات خلال تلك المدّة ، فكان الناس يرون أنّه دعا اللّه تعالى في الاستكفاء ؛ فكفاه وستره ، وصار حديثه موعظة في زمانه . قاله أحمد بن محمد . وممّن عرض عليه القضاء ، في عصرنا هذا المستأخر ، فأباه وامتنع من قبوله ، الفقيه أبو عيسى أحمد بن عبد الملك الإشبيليّ ، عرضه عليه المنصور محمد بن أبي عامر مدبّر أمر الخليفة هشام المؤيّد باللّه ، عن أمر الخليفة مرّتين ؛ فلم يجد فيه حيلة . أولاهما إذ توفّي قاضي قرطبة محمد بن يبقى بن زرب « 1 » سنة 381 ؛ أحضره وخاطبه مشافهة بمحضر الوزراء ؛ فقال له : « إنّ أمير المؤمنين المؤيّد باللّه اختارك للقضاء ، ورأى تقديمك مباركا لك فيه » . فقال : « أعوذ باللّه من ذلك ! لست ، واللّه الذي لا إله إلّا هو ! أهتمّ إلى هذا ولا أقبله البتّة ! فإنّي لا أستطيع ولا أصلح وما أفتي الناس في ذلك إلّا وأنا مضطجع أكثر أوقاتي لكبري وضعفي . وو اللّه ! لقد صدقتك ! فانظر للمسلمين وانصح لإمامك - وفقه اللّه ! » فتركه . وممّن جاهر بالإصرار على الإباية من القضاء ، محمد بن عبد السلام الخشنيّ « 2 » ، أراده الأمير محمد لتقليد القضاء بجيّان ؛ وأمر الوزراء أن يجلسوه ويلزموه ذلك ؛ ففعلوا وأدّوا إليه رسالة الأمير . فأبى عليهم ونفر نفورا شديدا ؛ فلاطفوه وخوّفوه بادرة السلطان ؛ فلم يزد إلّا إباء ونفورا ، فكتبوا إلى الأمير محمد بلجاجه وإعياء الحيلة عليهم في إجابته ، فوقّع الأمير توقيعا غليظا معناه : إنّ من عاصانا ، فقد أحلّ بنفسه ودمه . فلما قرءوه على الخشنيّ ، نزع قلنسوته من رأسه ومدّ

--> ( 1 ) ترجمة أبي بكر محمد بن يبقى بن زرب في المغرب في حلى المغرب ( ج 1 ص 214 ) وجذوة المقتبس ( ص 100 ) وبغية الملتمس ( ص 146 ) وتاريخ علماء الأندلس ( ص 775 - 776 ) وأعمال الأعلام ( القسم الثاني ص 49 ) ونفح الطيب ( ج 1 ص 410 ) . وسترد ترجمته ( ص 103 ) . ( 2 ) توفي محمد بن عبد السلام الخشني سنة 286 ، - ، وترجمته في تاريخ علماء الأندلس ( ص 648 ) وجذوة المقتبس ( ص 68 ) وبغية الملتمس ( ص 103 ) وقضاة قرطبة ( ص 33 - 34 ) والمقتبس بتحقيق مكي ( ص 250 ) والعقد ( ج 1 ص 279 ) و ( ج 6 ص 112 ) وبغية الوعاة ( ص 52 ) ونفح الطيب ( ج 2 ص 236 ) .