ابن الحسن النباهي الأندلسي
27
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
وسجن بسببه عند الامتناع آخرون ، منهم أبو حنيفة ، وهو النعمان بن ثابت ، دعاه عمر بن هبيرة للقضاء ؛ فأبى ؛ فحبسه وضربه أياما ، كلّ يوم عشرة أسواط ، وهو متماد على إبايته إلى أن تركه . وقد نقل عن عثمان بن عفّان أنّه قال لعبد اللّه بن عمر بن الخطّاب : « اقض بين الناس ! » . قال : « لا أقضي بين رجلين ما بقيت ! » قال : « لتفعلنّ ! » قال : « لا أفعل » قال : « فإنّ أباك كان يقضي » . قال : « كان أبي أعلم منّي وأنقى ! » . ومن غريب ما يحكى عن مسلمة بن زرعة ، وقد تكلّم في تباعات القضاء ، أنّه قال : « رأيت في الأندلس قاضيا يدعى مهاجر بن نوفل القرشيّ ، ما رأيت مثله في العبادة والورع . ولقد بلغني في موته أعظم العجب . أخبرني به ثقات من أهل بلده ، وذلك أنّه لمّا مات دفن في مقبرتهم ليلا ، وأظنّه عهد بذلك ، فلمّا أهيل « 1 » التراب عليه ، سمعوا من القبر كلاما فاستمعوا له ؛ فسمعوه ينادي : أنذركم ضيق القبر وعاقبة القضاء ! » قال : فكشفوا عنه ، وظنّوه حيّا ؛ فوجدوه مكشوف الوجه ، ميّتا ، بحالته التي قبر بها - رحمه اللّه وغفر لنا وله ! » وقال الحسن بن محمّد في كتابه ، عند ذكر من عرض عليه القضاء ، فأبى من قبوله : استشار الأمير عبد الرحمن بن معاوية ، أوّل الخلفاء بالأندلس من بني أميّة أصحابه ، في قاض يولّيه على قرطبة ، فأشار عليه ولده هشام ، وحاجبه ابن مغيث ، بالمصعب بن عمران ؛ ووقف الاختيار عليه . فوقع بنفس الأمير ، وأمر بالإرسال إليه ؛ فلمّا قدم مصعب ، أدخله على نفسه ، بحضرة ولده هشام ، وحاجبه ، وخاصّة أصحابه ؛ فعرض عليه القضاء ، فأبى من قبوله ، وذكر أعذارا تعوقه عنه ؛ فردّها الأمير وحمله على العزيمة ، وأصرّ مصعب على الإباية البتّة ؛ فأغضب الأمير ، وهاج غضبه ، وأطال الإطراق ؛ ثمّ رفع رأسه إلى مصعب وقال : اذهب ! عليك العفا وعلى الذين أشاروا بك ! . ولمّا أراد هشام للقضاء بقرطبة زياد بن عبد الرحمن « 2 » ، وعزم عليه ، خرج
--> ( 1 ) أهيل عليه التراب : صبّ من غير كيل . محيط المحيط ( هيل ) . ( 2 ) هو أبو عبد اللّه زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي ، المعروف بشبطون ؛ فقيه الأندلس على مذهب مالك . توفي سنة 204 ه . وترجمته في تاريخ علماء الأندلس ( ص 279 - 280 ) وجذوة المقتبس ( ص 218 - 219 ) وبغية الملتمس ( ص 294 ) وقضاة قرطبة ( ص 55 - 56 ، 72 ) ونفح الطيب ( ج 2 ص 452 ) .