ابن الحسن النباهي الأندلسي
26
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
ومن دخل فيه ، فقد عرّض نفسه للهلاك ؛ لأنّ التخلّص منه عسير ؛ فالهروب منه واجب ، لا سيّما في هذا الوقت ، وطلبه حمق وإن كان حسبة . قاله الشعبيّ . ورخّص فيه بعض الشافعيّة : إذا خلصت نيّته للحسبة ، بأن يكون وليّه من لا ترضى أحواله ؛ والأوّل أصحّ لقوله عليه الصلاة والسلام : إنّا لا نستعمل على عملنا من أراده . وفي « إكمال المعلّم » : اختلف العلماء في طلب الولاية مجرّدا ، هل يجوز أو يمنع ، وأمّا إن كان الرزق يرتزقه ، أو فائد جائز يستحقّه ، أو لتضييع القائم بها ، أو خوفه حصولها في غير مستوجبها ، ونيّته في إقامة الحقّ فيها ؛ فذلك جائز له . وقد قال يوسف - عليه الصلاة والسلام : اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ « 1 » . ومن الحديث الصحيح : من ابتغى القضاء ، واستعان عليه بالشّفعاء ، وكل « 2 » إلى نفسه ؛ ومن أكره عليه ، أنزل اللّه عليه ملكا يسدّده . ومنه : من مال إلى الإمارة وكل إليها ، ومعناه : لم يعن على ما يتعاطاه ؛ والمتعاطى أبدا مقرون به الخذلان ؛ فمن دعي إلى عمل ، أو إمامه في الدين ، فقصّ نفسه على تلك المنزلة ، وهاب أمر اللّه ، رزقه اللّه المعونة . وهذا مبنيّ على « من تواضع للّه ، رفعه اللّه » . فمن الواجب على كلّ من ابتلي بالقضاء أن يكثر من التذلّل للّه ، والمراقبة له عند أمره ونهيه ، والأخذ بالشفقة على عباده . فقد ثبت في « الصحيح » عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « اللّهمّ ! من ولي من أمر أمّتي شيئا فشقّ عليهم ، فأشقق عليه ! ومن ولي من أمر أمّتي شيئا فرفق بهم ، فارفق به ! » وكلّ قاض مطلوب منه أن يحكم بالعدل على نفسه وعلى غيره ، وأن يعتقد أنّه حاكم في ظاهره ، محكوم عليه في باطنه . روى اللّيث بن سعد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من ولي ولاية ، فأحسن فيها أو أساء ، أتى به يوم القيامة ، وقد غلّت يمينه إلى عنقه ؛ فإن كان عدلا في أحكامه ، أطلق من أغلاله وجعل في ظلّ عرش الرحمن ؛ وإن كان غير عدل في أحكامه ، غلّت شماله إلى يمينه ، فيسبح في عرقه حتى يغرق في جهنّم » . ولما تقرّر من بلاء القضاء ، فرّ عنه كثير من الفضلاء وتغيّبوا ، حتّى تركوا .
--> ( 1 ) سورة يوسف 12 ، الآية : 55 . ( 2 ) وكل إلى نفسه : استسلم إليها . لسان العرب ( وكل ) .