ابن الحسن النباهي الأندلسي

236

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

يقع في الظاهر كناية عن الكاتب . قال ابن حارث : والذي جرى به رسم قضاة الجماعة بقرطبة أن يكتب الكاتب : « قال القاضي فلان ابن فلان ، قاضي الجماعة بكذا : فلان ابن فلان قام عليه خصمه فلان ، فادّعى عليه بكذا . فقال فلان إنه لا يعرف شيئا من ذلك ، ولا يقرّ به » . تنبيه [ في ما يجب على القاضي إذا حضر عنده خصمان ] : ويجب على القاضي ، إذا حضر الخصمان ، أن يسأل المدّعي عن دعواه ، ويفهمها عنه ، فإن كانت دعوى لا يجب بها على المدّعى عليه حقّ ، أعلمه بذلك ، ولم يسأل المدّعى عليه عن شيء ، وأمرهما بالخروج عنه ، وإن نقصه من دعواه ما فيه بيان مطلبه ومعزاه ، أقرّه بتمامه . وإن أتى بإشكال ، أمره كذلك ببيانه ؛ فإذا صحّت الدعوى ، سأل المطلوب عنها ؛ فإن أقرّ أو أنكر ، نظر في ذلك بما يجب ؛ وإن أبهم جوابه ، أمره بتفسيره ، حتى يرتفع الإشكال عنه ، وقيّد ذلك كلّه عنهما في كتاب ، ويشهد عليهما به من حضر . وقد سطر الموثّقون في ذلك ما فيه مقنع ومفتاح الطلب والإعراب عن المذهب ، وفيه رفع الشغب ، فلا يدع الحكّام أخذ المخصوم به . واللّه الموفّق للصواب ! فإذا انعقد في مجلس القاضي مقال بإقرار أو إنكار ، وشهد به عنده على القائل شهود المجلس ، على ما ذكرناه ، أنفذ القاضي تلك المقالة على قائلها ، ولم يعذر إليه في شهادة شهودها ، لكونها بين يديه ، وعلمه بها ، وقطعه بحقيقتها . قال أبو إبراهيم : وسقوط الإعذار في هذا إجماع من المتقدّمين والمتأخّرين . وكذلك ذكر ابن العطّار في « وثائقه » ، وأنكره عليه محمد بن عمر بن الفخّار الحافظ وقال : هذا اختلاط ؛ وكيف يجوز أن يقضى بشهادتهما ، من غير أن يعذر فيها إلى المشهود عليه ، وقد ينكشف عند الإعذار فيهما أنّهما غير عدلين ، إذ قد يأتي المشهود عليه بما يوجب ردّ شهادتهما من عداوة ، أو تفسيق ، وإنما لم يقض القاضي بعلمه دون بيّنة ؛ لأنّ فيه تعريض نفسه للتهم . وقد حكى حاصل ذلك كلّه ابن سهل في كتابه ، ونصّه غيره من نظرائه . ويؤيّد ما قال أبو إبراهيم وابن العطّار ما في سماع أشهب وابن نافع عن مالك في القوم يشهدون عند القاضي ، ويعدلون . قيل لمالك : « هل يقول القاضي للذي شهد عليه دونك مخرج ؟ » فقال : « إنّ فيها لتوهينا للشهادة ، ولا أرى إذا كان عدلا أو عدل عنده