ابن الحسن النباهي الأندلسي

237

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

أن يفعل » . فهذا مالك قد أسقط الإعذار هاهنا فيما عدل عنه ، فكيف به فيمن هو عنده عدل ، وشهد لديه بما سمعه في مجلسه ، واستوى فيه علم الشهود وعلمه ؟ . ومن الفقهاء من قال : إن كتب الشهود في مجلس القاضي شهادتهم على مقال مقرّ أو منكر فيه ، ولم يشهدوا بها عند القاضي في ذلك المجلس ، ثمّ أدّوها بعد ذلك عنده ، إذا احتج إليها ، فإنه يعذر في شهادتهم إلى المشهود عليه بخلاف إذا أدّوها في المجلس نفسه الذي كان فيه المقال . والإعذار للمبالغة في طلب إظهار العذر ، ومنه : قد أعذر من أنذر ، أي بالغ في العذر من تقدّم إليك فأنذرك ومنه أيضا : إعذار القاضي إلى من ثبت عليه حقّ يؤخذ في المشهود بذلك . ومن أعذر إليه ، فادّعى مدفعا أجّل في إثباته في الديون وشبهها ثمانية أيام . سوى اليوم المكتوب فيه الأجل ، ثم ستّة أيّام ، ثمّ أربعة أيّام ، ثمّ يتلوّم عليه ثلاثة أيّام . وقيل : الأصل في الإعذار قوله تعالى حكاية عن سليمان - عليه السلام - في الهدهد : لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ « 1 » . وقيل في التلوّم أصله قوله تعالى : تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ، ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ « 2 » . وضرب الآجال مصروف إلى اجتهاد القضاة والحكّام ، وليس فيها حدّ محدود لا يتجاوز ، إنّما هو الاجتهاد ، وبحسب ما يعطيه الحال . فإذا كان الأجل المضروب في الأصول أجل المعذور إليه من طالب أو مطلوب خمسة عشر يوما ، ثمّ ثمانية أيّام ، ثمّ أربعة أيّام ، ثمّ تلوّم له أربعة ، تتمّة ثلاثين يوما في الجميع . ذكر ذلك ابن العطّار ومحمد بن عبد اللّه . والغالب لهذا العهد في كتب المقالات الجارية بين الخصوم بقواعد البلد هو أن تكون في غير مجالس القضاة . وفي تلك الطريقة توسعة على الكاتب والمكتوب له أو عليه . ولا إعذار عندنا فيما تقيّد من ذلك بشهادة أهل التبريز في العدالة ، وسواء كان بمحضر القاضي أو فقيه ، لما تقدّم من تعليله .

--> ( 1 ) سورة النمل 27 ، الآية : 21 . ( 2 ) سورة هود 11 ، الآية : 65 .