ابن الحسن النباهي الأندلسي
224
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
يقدر على استصحاب عدلين يتحمّلان الشهادة له على القاضي بكتابه ، ويلازمانه من البلد الذي هو به إلى البلد الذي يكون فيه مطلوبه ، ولا سيّما عند تباعد الأقطار ، وما حدث في هذه الأزمنة من تكاثر القواطع ، وترادف الأعذار ، فأجروا المسألة مجرى الشهادة على خطّ الشاهد الغائب أو الميّت ، إذا لم يستنكر الناظر في المرسوم شيئا . وكان قد تحقّق عدالة الرجل المشهود على خطّه وقبول شهادته أيّام وضعها في المكتوبات بيده ، وكأنّهم لاحظوا استحسان الرجوع عند الضرورة إلى ما كان عليه أمر القضاة في القديم من إجازة الخواتم ، والخطّ في التوثّق كالخاتم وأشدّ منه عند التأمّل . وفي كتاب الإمام محمد بن إسماعيل البخاريّ عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بعث بكتابه رجلا . قال الخطّابيّ عند شرحه فيه من الفقه أنّ الرجل الواحد يجزئ حمله كتاب الحاكم إلى حاكم آخر ، إذا لم يشكّ الحاكم في الكتاب ولا أنكره ، كما لم ينكر كسرى كتاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ولا شكّ فيه وليس من شرطه أن يحمله شاهدان . قال القاضي أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن الحاج ، وقد ذكر المسألة : كما يصنع اليوم القضاة والحكّام على شاهدين في ذلك ، لإدخال الناس من الفساد ، واستعمال الخطوط ، ونقش الخواتم ؛ فاحتيط لتحصين الدماء والأموال . قال غيره : وأوّل من طلب البيّنة على كتاب القاضي ابن أبي ليلى ، وسوار بن عبد اللّه ؛ وتعرّفت عن الترتيب في مكاتبات القضاة بالبلاد المشرقيّة أنّه يجري على طريق المسامحة ، من غير ارتباط في هذه الأزمنة إلى عادة . والذي أخذت به لنفسي من ذلك أني ، مهما كتبت على عقد بالثبوت لمن يروم السفر به ، سألت عن الرفقة المصاحبة له ؛ فإن كان فيها أحد من أهل الخير ، استدعيته وأشهدته على عين العقد المختوم بالشهادة ، بما أرى فيه من الثبوت عندي ؛ فإنّ الخطاب الذي فيه اسمي هو بخطّ يدي ، استبلاغا في الاحتياط ، وطمعا في الخروج عن الخلاف ؛ وإذا تعذّر ذلك سلكت من التسهيل للضرورة مسالك الجمهور . وقد كنت أخذت في هذه المسألة مع شيخنا القاضي أبي عبد اللّه بن عيّاش ؛ فمال إلى التسليم ، وأشار بإيثار التسديد ، وإن كان - رحمه اللّه - يستضعف العمل بإجازة الشهادة على خطوط القضاة ، لما يؤدي إليه من الحكم بها في الحدود