ابن الحسن النباهي الأندلسي

220

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

الفقهاء والمكتوب إليه ، لا يرى ذلك الرأي . فإن كتب إليه أنّه قد ذكر بما في كتابه وأنفذه ، جاز له ذلك وأنفذه ؛ هذا وإن لم يكن قطع فيه بحكم وإنما كتب بما ثبت عنده ، فلا ينبغي أن يعمل فيه برأي الذي كتبه ، وليعمل فيه برأيه . قال سحنون : وإذا كتب بأمر ، فرأى هو خلافه ، فلا ينفذه ؛ لأنّ ذلك لم يفد شيئا ؛ فلا ينفذ هذا ما ليس بصواب عنده . وقال ابن حبيب عن مطرّف وابن الماجشون مثله . وقال ابن القاسم وأشهب في الإمام البيّن العدالة يأمر رجلا بإقامة حدّ في رجم ، أو حرابة ، أو قتل ، أو قطع في سرقة ، ولا يعلم ذلك إلّا بقول الإمام ؛ فعليه طاعته . قال أشهب : فإن لم يعرف بالعدالة ، فلا يطيعه في ذلك إلّا أن يرى أنّه قد قضى في ذلك بحقّ ؛ فعليه طاعته . وقال ابن القاسم : إذا اتّضح أنّه حكم بحقّ وعلم ، وأنّه كشف عن البيّنة وعدلوا . قال أشهب : وإذا لم يدر ما قضى به أبحقّ أم بهوى ، فلا يجيبه . قال ابن الماجشون ( وهو عبد الملك بن عبد العزيز ، وابن الماجشون معناه بالفارسيّة الورد ) : ولا تطع الجائر ولا تخدمه ولا تصدّقه . وقد تقدّم صدر كتابنا هذا ما رواه ابن وهب عن مالك في هذه المسألة . وما ذهب إليه في مثلها الأبهريّ ( واللّه المرشد للصواب ! ) فرعان : أحدهما : على القاضي الغائب أن يختار البيّنة التي تحمل كتابه ، إذا كان ممّن يرى بذلك ؛ ويلزم القاضي المكتوب إليه قبوله ، ويقول الشاهد : « إنّ هذا كتابه إلينا مختوما » . وقال أبو حنيفة ، والشافعيّ ، وأبو ثور : إذا لم يقرأه عليهما القاضي ، لم يجز ، ولا يعمل القاضي المكتوب إليه بما فيه . وروى عن مالك مثله . قال الشيخ أبو الحسن بن خلف بن بطّال : وحجّتهم أنه لا يجوز أن يشهد الشاهد إلّا بما يعلم ، لقوله تعالى : وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا « 1 » . وحجّة من أجاز ذلك أنّ الحاكم ، إذا أقرّ أنّه كتابه ، فقد أقرّ بما فيه ، وليس الشاهدان على ما ثبت عند الحاكم فيه ، وإنّما الغرض منها أن يعلم القاضي المكتوب إليه أنّ هذا كتاب القاضي الكاتب له ، وقد يثبت عند القاضي من أمور الناس ما لا يحبّون أن يعلمه كلّ أحد ، مثل الوصايا التي يتخوّف الناس فيها ، ويذكرون ما فرطوا فيه . ولهذا يجوز عند مالك أن يشهدوا على الوصيّة المختومة ، وعلى الكتاب المدرج ، ويقولوا للحاكم : « نشهد

--> ( 1 ) سورة يوسف 12 ، الآية : 81 .