ابن الحسن النباهي الأندلسي

221

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

على إقراره بما في هذا الكتاب » . وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يكتب إلى عمّاله ، ولا يقرأها على رسوله . وفيها الأحكام والسنن . واختلفوا كذلك إذا انكسر ختم الكتاب ؛ فقال أبو حنيفة : وزجر لا يقبله الحكم . وقال أبو يوسف : يقبله ، ويحكم به ، إذا شهدت البيّنة ؛ وهو قول الشافعيّ ، واحتجّ الطحاويّ لأبي يوسف ؛ فقال : كتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الروم كتابا ، وأراد أن يبعثه غير مختوم ، حتّى قيل : « إنّهم لا يقرءون إلّا أن يكون مختوما » فاتّخذ الخاتم من أجل ذلك . فدلّ أنّ كتاب القاضي حجّة ، وإن لم يكن مختوما ، وخاتمه أيضا حجّة ؛ والمنقول عن مالك أنه لا يجوز كتاب قاض إلى قاض « 1 » إلّا بشاهدين أشهدهما بما فيه . قال ابن القاسم : وإن لم يكن فيه خاتمه ، أو كان بطابع ، فانكسر . وقال ابن الماجشون : وإذا شهد العدلان أنّ هذا كتاب القاضي ، أمضاه . وقال أشهب : ليس قولهم وشهادتهم أنّ هذا كتاب قاض بشيء ، حتّى يشهدوا أنّه أشهدهم . ولا يضرّ إن لم يختمه ، إذ لو شهدوا أنّ هذا خاتمه ، ولو شهدوا أنّ الكتاب كتابه إلى هذا القاضي ، لم ينتفع بذلك ؛ لأنّ الختم يستشعر ، فلا يعرف ، والكتاب يعرف بعينه . ومن كتاب القاضي أبي عبد اللّه بن الحاجّ : ضرب عمر بن الخطّاب في التعزير معن بن زائدة مائة سوط حيث نقش على خاتمه ، وأخذ منه مالا وحبسه . ثمّ كلّم في أمره فقال : « ذكرتني الطعن ، وكنت ناسيا » فضرب مائة ؛ ثمّ حبس . وذلك - واللّه أعلم - قال مالك فيما روى عنه ابن نافع : كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتم حتّى إنّ القاضي ليكتب للرجل الكتاب فيما يزيد على ختمه ؛ فيجاز له . ثمّ اتّهم الناس . فصار لا يقبل إلّا بشاهدين . وقال ابن كنانة ، وعن مطرّف وابن الماجشون : ولا ينفذ قاض كتاب قاض في الأحكام إلّا بعدلين ، ولا ينفذه بشهادتهما أنّه خطّ القاضي ، كما لا تجوز الشهادة على الخطّ في الحدود . ولا بأس إذا كاتبه في شيء يسأله عنه من عدالة شاهد أو أمر يستخبره من أمر الخصوم أن يقبل كتابه بغير شهود ، إذا عرف خطّه ، ما لم يكن في قضية قاطعة ، أو كتاب هو ابتدأه به ؛ فلا ينفذه إلّا بعدلين .

--> ( 1 ) في الأصل : « قاضي » بياء .