ابن الحسن النباهي الأندلسي
204
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
تزيد على الإفلال نفسي نزاهة * وتأنس بالبلوى وتقوى مع الفقر فمن كان يخشى صرف دهر فإنّني * أمنت بفضل اللّه من نوب الدّهر فلمّا قرأ الحكم بيتيه ، أمر بردّ الجراية ، وحملها إليه ، فأعرض عنها ، وتمنّع من قبولها ، وقال : « إنّي ، والحمد للّه ! تحت جراية من إذا أعصيته ، لم يقطع عني جرايته ! فليفعل الأمير ما أحبّ » فكان الحكم بعد ذلك يقول : « لقد أكسبنا ابن أسلم بمقالته مخزاة عظم منّا موقعها ، ولم تسهل علينا المقارضة بها » . وتولّى الشيخ أبو البركات القضاء في بلاد عديدة ؛ منها مالقة ؛ تقدّم بها بعد شيخنا أبي عمرو بن منظور ، وذلك صدر عام 735 ؛ ثمّ نقل إلى قضاء الجماعة بحضرة غرناطة والخطابة بها . وكان مستوفيا لشروط الخطبة وجوبا وكمالا من صورة وهيئة ، وطيب نغمة ، وكثرة خشوع ، وتوسّط إنشاء ، وشهر بالصرامة في أحكامه ، والنزاهة أيّام نظره . ثمّ تأخّر عن قضاء الحضرة ، وأقام بها مدّة ، إلى أن صيّر إلى مدينة المريّة ! ثمّ أعيد إلى قضاء الجماعة ، واستعمل في السفارة بين الملوك ؛ فصحبه السداد ، ورافقه الإسعاد ، وكان في أطواره سريع التكوين ، طامعا في الوصول إلى مقام التمكين ، كثير الانتقال من قطر إلى قطر ، ومن عمل إلى عمل ، من غير استقرار منزل أو محلّ واحد . ولذلك قال في أبياته التي أوّلها « 1 » : [ البسيط ] . إذا تقول « 2 » : فدتك النفس في حالي * يفنى زماني في حلّ وترحال وكان التكلّم بالشعر من أسهل شيء عليه ، في كثير مراجعاته ، وفنون مخاطباته . وله منه ديوان كبير ، يحتوي من ضروب الأدب على جدّ وهزل ، وسمين وجزل ، سمّاه ب « العذاب والأجاج » ؛ وكتاب وسمه ب « المؤتمن في أنباء من لقيه من أبناء الزمن » « 3 » واستقرّ أخيرا بمدينة المريّة قاضيا وخطيبا ، إلى أن توفّي بها في شهر
--> ( 1 ) البيت في نفح الطيب ( ج 5 ص 479 ) . ( 2 ) في نفح الطيب : « ما ذا تقول . » . ( 3 ) اسم الكتاب في نفح الطيب ( ج 5 ص 486 ) : « المؤتمن على أنباء أبناء الزمن » .