ابن الحسن النباهي الأندلسي

203

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

وفي غيره بالبلفيقيّ ، وبلفيق حصن من عمل مدينة المريّة . وبيته بيت دين وفضل . ذكر ابن الأبّار جدّه الأعلى أبا إسحاق ، وأطنب في الثناء عليه بالخير والصلاح . وكان هذا الشيخ المترجم عنه ممّن نشأ على طهارة وعفاف ؛ واجتهد في طلب العلم صغيرا وكبيرا ، وعبر البحر إلى بجاية ؛ فأدرك بها المدرّس المعمّر أبا علي منصور بن أحمد بن عبد الحقّ المشداليّ ، وحضر مجالسه العلميّة ، وأخذ عنه وعن غيره من أهلها ؛ ثمّ إنه أتى إلى مرّاكش ، وتجوّل فيما بينها من البلاد . وأثار السّكنى بسبتة على طريقة جدّه إبراهيم الأقرب إليه ، إذ كان أيضا قد استوطنها . ثمّ عاد إلى الأندلس ؛ فأقام منها بمالقة ، واختصّ بخطيبها الشيخ الوليّ أبي عبد اللّه الطّنجاليّ ، وروى عنه وعن غيره ، وقيّد الكثير بخطّه ، ودام في ابتداء طلبه التشبيه بالقاضي أبي بكر بن العربيّ ، في لقاء العلماء ، ومصاحبة الأدباء ، والأخذ في المعارف كلّها ، والتكلّم في أنواعها والإكثار مع ملح الحكايات ، وطرف الأخبار ، وغرائب الآثار ، حتى صار حديثه مثلا في الأقطار ؛ وهو مع ذلك ، على شدّة انطباعه ، وكثرة ردعته ، سريع العبرة عند ذكر الآخرة ، قريب الدمعة . وكان كثير الضبط لحاله ، متّهما بالنظر في تثمير ماله ، آخذا في نفقته بقول سحنون بن سعيد : « ما أحبّ أن يكون عيش الرجل إلّا على قدر ذات يده ؛ ولا يتكلّف أكثر مما في وسعه » وكان يميل إلى القول بتفضيل الغنيّ على الفقير ، ويبرهن على صحّة ذلك ، ويقول : « وبخصوص في البلاد الأندلسيّة ؛ لضيق حالها ، واتّساع نطاق مدنها ، ولا سيّما في حقّ القضاة ؛ فقد شرط كثير من العلماء في القاضي أن يكون غنيّا ، ليس بمديان ولا محتاج » . ومن كلامه - رحمه اللّه - : « من اقتصر على التعييش من مرافق الملوك ، ضاع هو ومن له ، وشمله القلّ ، وخامره الذلّ ، اللّهمّ ! إلا من كان من القوّة باللّه قد بلغ من الزهد في الدنيا إلى الحدّ الذي يكسبه الراحة بالخروج عن متاعها ، وترك شهوتها ، قليلها وكثيرها ، مالها وجاهها . بأمر آخر ! ومن لنا بالعون على تحصيل هذا المقام ، ولا سيّما في هذا الزمان ، ولم نسمع ممّن قاربه من الولاة المتقدّمين بالأندلس إلّا ما حكي عن إبراهيم بن أسلم ، وقد أراد الحكم المستنصر باللّه رياضته ؛ فقطع عنه جرايته ؛ فكتب إليه : [ الطويل ] .