ابن الحسن النباهي الأندلسي

200

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

ذلك عمله في العقد الذي شهد فيه جملة من أعلام المغرب ، أيام كونهم بتونس عند دخولها في الإيالة المرينيّة ؛ فردّ شهادتهم وعوتب على ذلك ؛ فقال : « أوليس قد فرّوا من الزحف ، مع توفّر الأسباب المانعة لهم شرعا عن الوقوع في معرّة الأدبار ؟ » ويشير إلى الكائنة الشنعاء التي كانت لهم بظاهر طريف مع الروم عام 741 . ومن أخباره أنّه ، لمّا تغلب الشيخ أبو محمد عبد اللّه بن تافرجين على مدينة تونس دون قصبتها ، عند خروج السلطان أبي الحسن أمير المسلمين عنها ، بقصد مدافعة وفود العرب العادية على أرضها ، فهزمت جيوشه ، واستقرّ هو ومن بقي معه من جنده محصورا بداخل القيروان ، فجاء في أثناء ذلك يوم الجمعة ؛ فقال المتغلّب على الأمر للخطيب بالمسجد الجامع بتونس : « اخطب بدعوة الأمير أبي العبّاس بن أبي دبّوس من الموحّدين » وكان في المسجد القاضي ابن عبد السلام ؛ فقال : « والسلطان المرينيّ ؟ » فراجعه الشيخ بأنّه في حكم الحصار داخل القيروان بحيث لا يستطيع الدفاع عن نفسه . قال : « فتلزم إذا مناصرته ، والعمل على الوفاء بما شرط له عند مبايعته » فردّ عليه بأنّ الأخبار تواترت بعد ذلك بتلفه ، وانتزاع ملكه ، فقام الخطيب وقال على تقدير صحّة هذا النقل : « الفرع زال بزوال الأصل ، انظروا ما يصلح بكم لخطبتكم » وارتفعت الأصوات والمراجعات ؛ فقطع القاضي الكلام بمبادرته إلى الخروج ، وهو يقول : « لم يثبت لدينا ما يوجب العدول عن طاعة السلطان أبي الحسن ، واستصحاب الحال حجّة لنا وعلينا » وكاد وقت صلاة الجمعة أن يفوت ؛ فوجّه عند ذلك المتغلّب على المدينة إلى القاضي ثقة ، يخبره باستمرار الأمر في الخطبة على ما كانت عليه ؛ فدعا الخطيب وتمّت الصلاة على الرسم المتقدّم ؛ وحصلت السلامة للقاضي بحسن نيّته ، وعدّ مخالفة فقهاء مدينته - جزاه اللّه وإيّاهم خير جزائه - وحدّثني بهذه الحكاية غير واحد من الثقات الأثبات ، منهم صاحبنا الفقيه المتفنّن الأصيل أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرميّ . وأخبرني كذلك عن هذا القاضي - رحمه اللّه - بما حاصله : إن الأمير أبا يحيى استحضره مع الجملة من صدور الفقهاء للمبيت بدار الخلافة ، والمثول بين يديه ، ليلة الميلاد الشريف النبويّ ، إذ كان قد أراد إقامة رسمه على العادة الغربيّة ، من