ابن الحسن النباهي الأندلسي

201

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

الاحتفال في الأطعمة ، وتزيين المحلّ ، بحضور الأشراف ، وتخيّر القوّالين للأشعار المقرونة بالأصوات المطربة ؛ فحين كمل المقصود من المطلوب ، وقعد السلطان على أريكة ملكه ، ينظر في ترتيبه ، والناس على منازلهم ، بين قاعد وقائم ، هزّ المسمّع طرّه ، وأخذ يهنّئهم بألحانه ؛ وتبعه صاحب براعة بعادته عن مساعدته ، تزحزح القاضي أبو عبد اللّه عن مكانه ، وأشار بالسلام على الأمير ، وخرج من المجلس ؛ فتبعه الفقهاء بجملتهم إلى مسجد القصر ؛ فناموا به ، فظنّ السلطان أنهم خرجوا لقضاء حاجاتهم ؛ فأمر أحد وزرائه بتفقّدهم والقيام بخدمتهم ، إلى عودتهم وأعلم الوزير الموجّه لما ذكر القاضي بالغرض المأمور به ؛ فقال له : « أصلحك اللّه ! هذه الليلة المباركة التي وجب شكر اللّه عليها ، وجمعنا السلطان - أبقاه اللّه - من أجلها ، لو شهدها نبيّنا المولود فيها - صلوات اللّه وسلامه عليه - لم يأذن لنا في الاجتماع على ما نحن فيه ، من مسامحة بعضنا لبعض في اللهو ، ورفع قناع الحياء بمحضر القاضي والفقهاء ! وقد وقع الاتفاق من العلماء على أنّ المجاهرة بالذنب محظورة ، إلّا أن تمسّ إليها حاجة كالإقرار بما يوجب الحدّ أو الكفارة . فليسلم لنا الأمير - أصلحه اللّه - في القعود بمسجده هذا إلى الصباح ! وإن كنّا في مطالبة أخر من تبعات رياء ، ودسائس أنفس ، وضروب غرور ، لكنّا « 1 » ، كما شاء اللّه ، في مقام الاقتداء - لطف اللّه بنا أجمعين بفضله » فعاد عند ذلك الوزير المرسل للخدمة الموصوفة إلى الأمير أبي يحيى ، وأعلمه بالقصّة ؛ فأقام يسيرا ، وقام من مجلسه ، وأرسل إلى القاضي من ناب عنه في شكره ، وشكر أصحابه ، ولم يعد إلى مثل ذلك العمل بعد . وصار في كلّ ليلة يأمر في صبيحة الليلة المباركة بتفريق طعام على الضعفاء ، وإرفاق الفقراء ، شكرا للّه . وكان هذا القاضي - رحمه اللّه ؛ مشتغلا بالعلم وتدريسه ، قلّما يفتر في كثرة أوقاته عن نظره واجتهاده . حضرت مجلس إقرائه بتونس عند وصولي إليها في الموكب الغربيّ ؛ فألفيته يتكلّم في الباب الثاني من « كتاب المعالم » للفقيه ابن الخطيب الدانيّ ، إلى أن بلغ إلى مناظرة أبي الحسن الأشعريّ لأستاذه أبي عليّ

--> ( 1 ) في الأصل : « لكنّا » .