ابن الحسن النباهي الأندلسي

199

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

وأتاني أمر بشرت به أي سررت به . وبشرني فلان بوجه حسن أي لقيني وهو حسن البشر أي طلق الوجه . والبشارة المطلقة لا تكون إلّا في الخير ، وإنّما تكون في الشرّ إذا كانت مقيّدة كقوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ! « 1 » وتباشر القوم أي بشّر بعضهم بعضا . وتباشير الأمر أوائله ، وكذلك أوائل كلّ شيء . والبشير المبشّر . والمبشّرات الرياح التي تبشّر بالغيث . والبشر الحميل والمرأة بشرة ه . وإذا بنينا على أنّه يقال بشر بمولود أو خير بتخفيف الشين ، فأبشر إبشارا أي سرّ ، فالمضارع منه يبشر بضم الياء وكسر الشين . والأمر منه « أبشر » بقطع الألف كقوله تعالى : أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ ! فعلى هذا تكون همزته همزة قطع ؛ فسقوطها في الدرج ممنوع في النثر ، اتفاقا ؛ وكذلك في الشعر عند الخليل وجلّ أهل البصرة ؛ وأمّا أهل الكوفة فقالوا : بجوازه في الشعر ، وإن كان فيه خروج من أصل إلى فرع ، ولأنّ الشعر محلّ الضرورة ، وشبّهوه بالمقصور ، وقالوا : والضرورات تبيح المحذورات . ذكر القاضي أبي عبد اللّه محمد بن عبد السلام المنستيري « 2 » ومن القضاة بحضرة تونس ، وصدور علمائها في زمانه ، الشيخ الفقيه المدرّس ، أبو عبد اللّه محمد بن عبد السلام المنستيريّ ، منسوب لقرية بظاهرها . وهو ممّن برع في المعقولات ، وقام على حفظ المنقولات ؛ وعلم ، وفهم ، وأدّب ، وهذّب ، وصنّف كتبا ، منها شرحه لمختصر أبي عمر وعثمان بن عمر بن الحاجب الفقهيّ ، المتداول لهذا العهد بأيدي الناس . وكان - رحمه اللّه - في أقضيته على نحو ما وصف به وكيع في كتابه للقاضي إسماعيل بن إسحاق ، حيث قال : وأمّا شدائده في القضاء ، وحسن مذهبه فيه ، وسهولة الأمر عليه فيما كان يلتبس على غيره ، فشئ شهرته تغني عن ذكره ، إلى ما عرّف به في قطره من القوّة على أمر الناس ، والاستخفاف بسخطهم ، وملامتهم في حقّ اللّه ، وحفظ ما يرجع لرسوم القضاء . ومن

--> ( 1 ) سورة التوبة 9 ، الآية : 34 . ( 2 ) ترجمة ابن عبد السلام في نيل الابتهاج ( ص 240 ) والتعريف بابن خلدون ( ص 19 ) والديباج المذهب ( ص 336 ) وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية ( ص 210 ) ونفح الطيب ( ج 5 ص 251 ) .