ابن الحسن النباهي الأندلسي

184

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

بظاهر طريف ، شهيدا محرضا ، يشحد البصائر ، ويدمن الأبطال ، ويشير على الأمير أن يكثر من قول : « حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ! » وقد كتف دابّته التي كان عليها راكبا ، وهو رابط الجأش ، مجتمع القوى ، وأنشأ عليه بالركوب وقال له : « انصرف ! هذا يوم الفرح ! » يشير ، واللّه أعلم ، إلى قوله تعالى في الشهداء : فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ « 1 » ؛ وذلك ضحى الاثنين السابع من جمادى الأولى عام 741 ، عن غير عقب من الذكور . ومولده في أواخر شهر ذي الحجّة من عام 673 . ذكر القاضي عثمان بن منظور ومن القضاة بمالقة ، أيام ابن بكر بغرناطة ، شيخنا أبو عمر عثمان بن محمد بن يحيى بن محمد بن منظور الإشبيليّ ، أحد بيوت النباهة بالأندلس . ذكره صاحب « كتاب العائد » فقال فيه : كان - رحمه اللّه ! - صدرا في علماء بلده ، أستاذا ممتعا ، من أهل النظر . والتحقيق ، ثاقب الذهن ، أصيل البحث ، مضطلعا بالمشكلات ، مشاركا في الفقه والعربيّة ، إلى أصول وقراءات وطبّ ومنطق . قرأ كثيرا ، ثمّ تلاحق بأصحابه ، ثمّ غبر في وجوه السوابق . لازم الأستاذ أبا محمد الباهليّ ، وانتفع به . وقرأ على الأستاذ أبي بكر بن الفخّار ، وتزوّج زينب ابنة الفقيه المشاور أبي علي بن الحسن ؛ فاستقرّت عنده كتب والدها ، فاستعان بها على العلم ، والتبحّر في المسائل . وقيّد بخطّه الكثير ، واجتهد ، وصنّف ، وقرأ ببلده محترفا بضاعة التوثيق ؛ فعظم به الانتفاع . وولي القضاء بآش ، وملتماس ، وقمارش ، ثمّ ببلده مالقة . وتوفّي بها مصروفا عن القضاء ، دون عقب ، في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين لذي حجّة عام 735 ؛ ولم يخلف ببلده مثله في وقته مشاركة في الفنون ، وجودة نظر ، وثقوب ذهن . وخرج عليه طائفة من الطّلبة . وولي بعده بقيد الحياة بمكانه من خطّة القضاء صاحبه ، المنتفع به قبل ذلك قراءة عليه وسكونا إليه ، محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحاجّ ، المدعوّ بأبي البركات البلفيقيّ ، حسبما يأتي الكلام عليه بعد ، بحول اللّه تعالى .

--> ( 1 ) سورة آل عمران 3 ، الآية : 170 .