ابن الحسن النباهي الأندلسي
174
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
فأقرأ العلم بها ، وصحّح ما كان قد تحمّله من فنون العلم . فلمّا توفّي قاضي البلدة ، أيّام خلاف بني أشقيلولة بها ، عرض عليه قضاؤها ؛ فتمنّع وأبي لمكان الفتنة ، إلّا أن يكون التقديم من قبل أمير المسلمين المحقّ بالخلافة ، السلطان أبي عبد اللّه المذكور . فأعرض عنه ، وقدّم غيره . فلم يرض الناس به ؛ فدعت الرؤساء المذكورين الضرورة إلى طلب التقديم من حيث ذكر ، فأنفذ لهم المطلوب . ولما ذهبت الفتنة ، وتملّك السلطان المدينة ، تحقّق فضل ابن هشام وصلابته في الحقّ ؛ فنقله إلى مدينة المريّة ، وعند وفاة أبي بكر الأشبرون ، استقدمه من هنالك ، وقلّده القضاء بحضرته ، فحسنت به الحال ، واقتضيت الحقوق إلى آخر مدّة مستقضيه - رحمه اللّه - وكانت صدر شعبان من عام 701 . وأفضى الأمر إلى ولده أبي عبد اللّه محمد ، ثالث الأمراء من بني نصر ؛ فجرى على منهاج أبيه في الاغتباط بقاضيه ؛ فأقرّه على ما كان يتولّاه ، وزاد في التنويه . فظهرت الخطّة بواحدها وصدر رجالها ؛ وبقي يتولّاه إلى أن توفّي ، وذلك عام 704 . ذكره القاضي أبو عامر يحيى بن ربيع في « مزيده » وقال فيه : كان فقيها عارفا ، أديبا ، كاتبا بارعا ، فاضلا ، ليّن الجانب ، سمحا ، دريّا بالأحكام ، عدلا ، نزيها ؛ وتولّى الخطبة بجامع الحمراء . قال المؤلّف - رضي اللّه عنه ! - : للّه درّ محمد بن هشام في إصراره على الإباية من القضاء في الفتنة الأشقيلوليّة ! فإنّه جرى في تمنّعه على منهاج السّداد ، وأخذ لنفسه الواجب من الاحتياط . وقد تقدّم صدر هذا الكتاب أنّ الداعي إلى العمل ، إذا كان غير عدل ، لم يجز لأحد إعانته على أموره ؛ لأنّه مقعد في فعله ؛ فيجب عليه أن يصبر على المكروه ، ولا يلي العمل معه ؛ وإن كان عدلا ، جاز ، وقد تستحبّ له الإعانة . واللّه الموفق للصواب ! ذكر القاضي أبي جعفر أحمد بن فركون « 1 » وولي بعد ابن هشام قضاء الجماعة الشيخ الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد القرشيّ ، المعروف بابن فركون ، أحد صدور الفقهاء بهذا
--> ( 1 ) ترجمة ابن فركون في الإحاطة ( ج 1 ص 153 - 157 ) واللمحة البدرية ( ص 64 ، 71 ) .