ابن الحسن النباهي الأندلسي
175
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
القطر الأندلسيّ اطّلاعا بالمسائل ، وحفظا للنوازل ، وقوّة على حمل أعباء القضاء ، وتفنّنا في المعارف . وكان - رحمه اللّه ! - منشرح الصدر ، مثلا في حسن العهد بمن عرفه ولو مرّة في الدهر ، مفيد المجالسة ، رائق المحاضرة ، مترفّقا بالضعيف في أقضيته ، كثير الاحتياط عند الاشتباه ، دقيق النظر ، مهتديا لاستخراج غريب الفقه وغوامض نكت العلم ، رائق الأبّهة ، موصوفا بالنزاهة والعدالة ، شديد الوقار ، مشغلا عند المواجهة والتجلّة ، مع التحلّي بالفضل ، والخلق الرّحب ، والدّعابة الحلوة . طال يوما بين يديه قعود رجل اسمه أحمد بن معاوية ، دعا إليه في حقّ وقع الفصل فيه ؛ فاستأذنه في الذهاب ؛ فقال : « يا سيّدي ، ينصرف أحمد ؟ » فقال : « لا ينصرف ! » فأقام ذلك الرجل وجلا حتى نبه على أن القاضي إنّما قصد التورية . قرأ على المدرّس المتفنّن أبي الحسن الأبلح ، وأكثر الأخذ عن المقرئ أبي عبد اللّه محمد بن إبراهيم الطائيّ ، المعروف بمستقور وغيرهم . وكان خطيبا . بليغا ، كاتبا ناظما ناثرا ، بصيرا بعقود الشروط ، سابقا في علم الفرائض . قضى بمواضع منها رندة ، ومالقة ، والمريّة ، وسار فيها بسيرة عادلة سنيّة . واستمرّ قضاؤه مع الخطابة بحضرة غرناطة إلى أوّل الدولة الإسماعيليّة ؛ فصرف عن ذلك ، لما كان له في مشايعة المخلوع عن السلطنة من الأمور التي حقّت عليه الخمول ، بعد استقرار ذائلها الأمير أبي الوليد بالملك - رحمه اللّه عليه ! - ومولد القاضي أبي جعفر المذكور في عام 649 ، ووفاته في السادس عشر من ذي القعدة عام 729 . ذكر القاضي أبي بكر يحيى ابن مسعود المحاربيّ وابنه أبي يحيى « 1 » وتقدّم بعده لقضاء الجماعة الوزير الفقيه أبو بكر يحيى بن مسعود بن عليّ بن أحمد بن إبراهيم بن عبد اللّه بن مسعود المحاربيّ الغرناطيّ ، من أهل الأصالة والجزالة والجلالة . وكان - رحمه اللّه ! - سامي الهمّة ، ماضي العزيمة ، شديد
--> ( 1 ) ترجمة يحيى بن مسعود المحاربي في اللمحة البدرية ( ص 79 - 80 ، 95 ) . وترجمة ابنه أبي يحيى مسعود في المصدر نفسه ( ص 95 ) .