ابن الحسن النباهي الأندلسي

17

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

[ المبحث الأوّل : في القضاء وسير القضاة ] الباب الأول في القضاء وما ضارعه فصل [ في معنى القضاء ] : لفظ القضاء يأتي في اللغة على أنحاء مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه . يقال : « قضى الحاكم » إذا فصل في الحكم ؛ و « قضى دينه » أي قطع ما لغريمه قبله بالأداء ؛ و « قضيت الشيء » أحكمت عمله ؛ ومنه قوله تعالى : إِذا قَضى أَمْراً « 1 » أي أحكمه وأنفذه . وخطّة القضاء في نفسها عند الكافّة من أسنى الخطط ؛ فإنّ اللّه تعالى قد رفع درجة الحكّام ، وجعل إليهم تصريف أمور الأنام ، يحكمون في الدماء والأبضاع « 2 » والأموال ، والحلال والحرام . وتلك خطّة الأنبياء ومن بعدهم من الخلفاء : فلا شرف في الدنيا بعد الخلافة أشرف من القضاء . ولأجل منيف قدره في الأقدار ، ولسموّ خطره في الأخطار ، اشترط العلماء في متولّيه ، من شروط الصحّة والكمال ، ما تقرّر في كتبهم ، واستبعد حصول مجموعه الأئمة المقتدى بهم . فقد نقل عن مالك بن أنس - رحمه اللّه ! - أنّه كان يقول في الخصال التي لا يصلح القضاء إلّا بها : لا أراها تجتمع اليوم في أحد ؛ فإذا اجتمع منها في الرجل خصلتان ؛ العلم والورع ، قدّم . قال عبد الملك بن حبيب في كتابه : وإن لم يكن علم ، فعقل وورع ! فبالعقل يسأل وبه تحصل حصال الخير كلّها ؛ وبالورع يعف ؛ وإن طلب العلم وجده ؛ وإن طلب العقل ، إذا لم يكن عنده ، لم يجده . وقد قيل : كثير العقل مع قليل العلم أنفع من كثير العلم مع قليل العقل . وليس العلم بكثرة الرواية والحفظ ، كما قاله ابن مسعود - رضي اللّه عنه ! - : وإنما العلم نور يضعه اللّه في القلوب .

--> ( 1 ) سورة مريم 19 ، الآية : 35 . ( 2 ) الأبضاع : جمع بضع وهو المهر والطلاق . محيط المحيط ( بضع ) .