ابن الحسن النباهي الأندلسي

18

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

قال المؤلّف - أدام اللّه توفيقه ! - : ومن قلّد الحكم بين الخلق والنظر في شيء من أمورهم ، فهو أحوج الناس إلى هذا النور وإلى اتّصافه بالتذكير والتيقّظ والتفطّن . ولذلك كان إسماعيل بن إسحاق « 1 » ، قاضي القضاة ببغداد ، يقول : من لم تكن فيه ، لم يكن له أن يلي القضاء . وقال ابن الموّاز : لا ينبغي أن يستقضى إلّا ذكيّ ، فطن ، فهم ، فقيه ، متأنّ ، غير عجول . وذكر أنّ عمر بن عبد العزيز قال : « لا يصلح للقضاء إلّا القويّ على أمر الناس ، المستخفّ بسخطهم وملامتهم في حقّ اللّه ، العالم بأنّه ، مهما اقترب من سخط الناس وملامتهم في الحقّ والعدل والقصد ، استفاد بذلك ثمنا ربيحا من رضوان اللّه ! » . فصل [ في إجماع المسلمين على أنّ الولاة أفضل من غيرهم ] : قال عزّ الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام : وقد أجمع المسلمون على أنّ الولاة أفضل من غيرهم . وتفصيل ذلك أنّ الولاية تشتمل على غرض شرعيّ ، وغرض طبعيّ ؛ فنهى عنها من يغلبه طبعه وهواه ، وأمر بها من يكون قاهرا لطبعه ، غالبا لهواه ، فلا يتولّاها من لا يملك هواه إلا أن يتعيّن لها ؛ فيجب عليه أن يتولّاها ، وأن يجاهد نفسه في دفع هواه ما استطاع . وممّا يشير إلى الترغيب في الحكم لمن قدر على العدل فيه ، قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ! - : « إن المقسطين عند اللّه يوم القيامة ، على منابر من نور عن يمين الرحمن . وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوه » . وقوله : « عن يمين الرحمن » ، معناه في الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة ؛ والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين ، وضدّه إلى الشمال أي المنزلة الخسيسة ؛ وأمّا الأقساط ، فهو العدل ؛ يقال : « أقسط » إذا عدل . قال اللّه تعالى : وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ! « 2 » . وفي كتاب أبي حبيب ، عن ابن شهاب ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما من أحد أقرب مجلسا من اللّه يوم القيامة ، بعد ملك مصطفى ، أو نبيّ مرسل ، من إمام عدل » ! وروى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إنّ اللّه

--> ( 1 ) هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حمّاد بن زيد الأزدي الجهضمي ، المتوفى سنة 282 ه ، وستأتي ترجمته بعد قليل ( ص 51 ) . ( 2 ) سورة الحجرات 49 ، الآية : 9 .