ابن الحسن النباهي الأندلسي
139
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
إذ ذاك نحو سبعة عشر عاما ، فلقي شيوخ مصر وعدّد لنا أناسا . ثمّ قال : وقيّد الحديث ، وضبط ما روى ، واتّسع في الرواية ؛ وأتقن مسائل الخلاف والأصول والكلام على أئمة هذا الشأن . وعاد إلى بغداد بعد دخولها ، وانصرف إلى مصر ؛ فأقام بالإسكندريّة ؛ فمات أبوه بها ، أوّل سنة 493 . ثمّ انصرف إلى الأندلس « 1 » ؛ فسكن بلده إشبيلية ؛ وشوور فيه ، وسمع ، ودرّس الفقه والأصول ، وجلس للوعظ والتفسير ، وصنّف في غير فنّ تصانيف مليحة ، حسنة ، مفيدة . وولي القضاء مدّة ، أوّلها رجب من سنة 538 « 2 » ؛ فنفع اللّه لصرامته ، ونفوذ أحكامه . والتزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتّى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله ؛ فأحسن الصبر على ذلك كلّه . ثمّ صرف من القضاء ، وأقبل على نشر العلم وبثّه . وكان فصيحا ، حافظا ، أديبا ، شاعرا كثير لملح ، مليح المجلس . ثم قال : قال القاضي أبو الفضل عياض بن موسى - وقد وصفه بما ذكرته - ثمّ قال : ولكثرة حديثه وأخباره وغريب حكاياته ورواياته ، أكثر الناس فيه الكلام ؛ وطعنوا في حديثه . وتوفّي منصرفه من مرّاكش ؛ من الوجهة التي توجّه منها مع أهل بلده إلى الحضرة ؛ بعد دخول مدينة إشبيلية « 3 » ؛ فحبسوه بمراكش نحو عام ؛ ثمّ سرحوه ؛ فأدركته منيّته بطريقه على مقربة من فاس بمرحلة ؛ وحمل ميّتا إلى مدينة فاس . فدفن بها بباب الجيسة . قال : وروى عنه الجمّ الغفير ؛ فمن جملة من روي عنه ، من علماء المائة الخامسة ، القاضي أبو الفضل عياض بن موسى ، وأبو جعفر بن الباذش ، وطائفة . والصحيح في القاضي أبي بكر أنّه إنّما دفن خارج باب المحروق من فاس ؛ وما وقع من دفنه بباب الجيسة وهم من ابن الزّبير وغلط . وقد زرناه وشاهدنا قبره بحيث ذكرناه - أرضاه اللّه وغفر لنا وله !
--> ( 1 ) قال في الصلة إنه عاد إلى الأندلس سنة 493 ه . ( 2 ) في نفح الطيب : « رجب من سنة ثمان وعشرين » . ( 3 ) أي بعد دخول الموحدين مدينة إشبيلية ، هكذا جاء في نفح الطيب .