ابن الحسن النباهي الأندلسي

140

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

ذكر القاضي أبي المطرّف عبد الرحمن الشعبيّ « 1 » ومنهم الفقيه الحافظ أبو المطرّف عبد الرحمن بن قاسم الشّعبيّ المالقيّ . ولي القضاء ببلده نيابة ، ثمّ استقلالا . وكان عالما ، متفنّنا ، بصيرا بالنوازل ، حافظا للمسائل ؛ وعليه كانت الفتيا تدور بقطره أيّام حياته ، وجرت بينه وبين القاضي أبي بكر بن العربيّ ، عند اجتيازه على مالقة ، مناظرات في ضروب من العلوم . وكانت له في الأقضية مذاهب من الاجتهاد ، لم تكن لغيره من أهل طبقته ، ولا سيّما فيما يرجع إلى رواية أشهب ؛ ونظره من ذلك أنه كان يقول في اللّصوص المحاربين ، إذا أخذوا ومعهم أموال ؛ فجاء قوم يدّعون ملك الأموال ، وليست لهم بيّنة ، إن القول قولهم في أنّ المال لهم بعد الاستيناء قليلا . وروجع في ذلك فقال : المروي عن مالك أنه قال : يقبل قولهم على اللّصوص ، ودعواهم بغير بيّنة . وما أعطاهم مالك ذلك ، إلّا بسيئة الحال التي عليهم من أنفسهم بالفساد ؛ فكانت حالهم السيئة من السعي في الأرض ، بغير الحقّ بيّنة عليهم . وكذلك كان يقول في الظالم المعروف بأخذ أموال الناس ، واستباحتها لغير حقّ ؛ ويردّد قول عمر بن عبد العزيز : تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور ، ولا فجور أعظم من الظلم والتسلّط على أموال الناس وأبشارهم بغير الحقّ ؛ وقد جعل اللّه عليهم بذلك السبيل فقال : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ، وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ « 2 » . فإذا كان للمظلوم سبيل ، فالقول قوله وعلى المدّعي عليه ؛ فإن البيّنة في لسان العرب مشتقّة من البيان ، فكيفما تبيّن الأمر ، فهو بيّنة كلّه ، فظلم الظالم بيّنة عليه ، ألا ترى أنّ مدّعي اللقطة إنما بيّنته الوصف للعفاص والوكاء « 3 » ؟ وربّ رمية من غير رام « 4 » ؟ وإرخاء الستور بيّنة ، يجب بها للمرأة أخذ صداقها ، وتصدّق في دعواها ؛ فقد صار الستر بيّنة لها ؛ فظلم الظالم

--> ( 1 ) ترجمة عبد الرحمن الشعبي في الأعلام ( ج 3 ص 323 ) . ( 2 ) سورة الشورى 42 ، الآية : 42 . ( 3 ) العفاص : غلاف القارورة والجلد يغطّى به رأسها . والوكاء : رباط القربة وغيرها وكلّ ما شدّ رأسه من وعاء ونحوه . محيط المحيط ( عفص ) و ( وكى ) . ( 4 ) هو مثل ، ومعناه : ربّ رمية مصيبة حصلت من رام مخطئ . مجمع الأمثال ( ج 1 ص 299 ) .