ابن الحسن النباهي الأندلسي

108

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

وسكن روع الرجل ونهض إلى ابن زرب ؛ فاعتذر له ؛ فلم يقبل له عذرا ، وحكى ما دار له مع المنصور قديما ؛ فرضي القضاء ، وتقدّم له . ومن الكتاب المسمّى : إن المنصور كان كثيرا ما يترشّح للإمارة ، ويترجح لملك الأندلس كلّها ؛ ويكثر من التحدّث بذلك في حدثان سنّه ، وإقبال أمره ؛ ويتمنّى ذلك ، ويرصده ، ويعد به أصحابه ، ويولّيهم الخطط ، ويمنّيهم بالولايات ، فيأتي ذلك كما يذكره ، وعلى ما كان يرسمه . ومنه قال : أخبرني الفقيه أبو محمد عليّ بن أحمد ، قال : أخبرني محمد بن موسى بن عزرون ، قال : أخبرني أبي ، قال : « اجتمعنا يوما في منتزه لنا ، بجهة الناعورة بقرطبة ، مع المنصور بن أبي عامر ؛ وهو في حداثة سنّة ، وأوان طلبه ، وهو مرجي مؤمّل ، ومعنا ابن عمّه عمرو بن عبد اللّه بن عسقلاجة ، والكاتب ابن المرعزى ، والحسن بن عبد اللّه بن الحسن المالقيّ . وكانت معنا سفرة فيها طعام ؛ فقال ابن أبي عامر ، من ذلك الكلام الذي كان يتكلم به : « إني لا بدّ أن أملك الأندلس ، وأقود العساكر ، وينفذ حكمي في جميع الأندلس ! » ونحن نضحك معه ، ونتعجّب من قوله ؛ فقال لنا : « تمنّوا عليّ » . فقال كلّ واحد منهم ؛ فقال عمرو بن عبد اللّه بن عمّه : « أتمنّى أن تولّيني على المدينة ! نضرب ظهور الجناة ونفتحها مثل هذه الشاردة » وقال ابن المرعزى : « أشتهي أن تولّيني أحكام السوق » وقال ابن الحسن : « أحبّ أن تولّيني قضاء ريّة » قال موسى بن عزرون : « فقال لي : « تمنّ أنت » فشققت لحيته ، وقلت كلاما سمجا . فلما صار المنصور إلى ما صار إليه من ملك الأندلس ، ولّى ابن عمّه المدينة ، وابن المرعزى السوق ، وولّى ابن الحسن ريّة ، وبلغ كلّ واحد منهم إلى ما تمنّى ، وأغرمني مالا عظيما أحجف بي وأفقرني ، لقبح ما كنت قد جئته به » . وكان المنصور من أهل الذكاء والنبل والبأس والحزم ؛ تصرّف ، بعد العلم والطلب ، أيام الخليفة الحكم « 1 » ، في الأمانات والقضاء ؛ ثمّ ملك الأندلس بولاية

--> ( 1 ) هو أبو العاصي الحكم بن عبد الرحمن الناصر ، المعروف بالمستنصر ، وقد ولي أمر الأندلس سنة 350 ه ، وتوفي في سنة 366 ه . ترجمته في الحلة السيراء ( ج 1 ص 200 - 205 ) وجذوة المقتبس ( ص 13 - 16 ) وبغية الملتمس ( ص 18 - 21 ) والمغرب ( ج 1 ص 186 - 187 ) ونفح الطيب ( ج 1 ص 382 - 396 ) وأزهار الرياض ( ج 2 ص 286 ) والبيان المغرب ( ج 2 ص 232 - 253 ) .