ابن الحسن النباهي الأندلسي
107
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
ثلاثة أعوام ؛ فوصله بثلاثة آلاف دينار ، وألطاف ، قيمتها ما يناهز العدد المسمّى ، وليس ذلك من أفعال المنصور ببدع ؛ فقد كان في حسن معاملته للناس ، والوفاء لهم ، بمنزلة لا يقوم بوصفها كتاب ، حتّى يقال إنّه لا يأتي الزمان بمثله في فضله ، ولا ظفرت الأيدي بشكله . ومن عجيب أخبار محمد بن عبد اللّه بن أبي عامر وحديثه - رحمه اللّه - ما وقع في كتاب الفقيه أبي جعفر أحمد بن سعيد بن أبي الفيّاض عند ذكره أيّام المنصور ودولته ، ونقله غيره ؛ ونصّه : قال : أخبرني بعض من رويت عنه أنه كان بائتا ليلة ، مع بعض إخوانه ، في غرفة ؛ فرقد رفيقه ودنيّه ؛ ولم يرقد هو قلقا وسهرا ؛ فقال له صاحبه : « يا هذا ، قد أضررتني في هذه الليلة بهذا السهر ؛ فدعني أرقد » . فقال : « إنّي مفكّر مشغول البال » فقال له صاحبه : « يا هذا ، وأنت أمير المؤمنين ؟ » فقال له : « هو ذلك ! » فعجب منه وقال له : « باللّه ! لتأخذ معي في هذا الأمر ، وساعدني فيه » فقال له : « يصلح فلان ويصلح فلان » وسمّى له جماعة ، وهو لا يجوز من المذكورين أحدا ، إلى أن قال له : « يصلح أبو بكر بن يبقى بن زرب » فقال له ابن أبي عامر : « يا هذا ! فرجت عنّي ! ليس باللّه يصلح لها أحد غيره » ثمّ رقد . فمضت الأيام والليالي ؛ وولي ابن أبي عامر الخطط ، إلى أن صار له ملك الأندلس كلّه بخلافة المؤيّد باللّه ، واستولى على الأمر والنهي به ؛ وذلك الرجل رفيقه وصاحبه يتوقّع أن يتذكّر المنصور لاحتقاره في تلك الليلة ؛ فلمّا كان في بعض الليالي ، مات القاضي ابن السليم ليلا . وكانت لمحمّد بن أبي عامر في أيامه عيون بالليل والنهار ، لا يقع أمر من الأمور حتّى يعلم به . فأخبر بموت ابن السليم ساعة موته في الليل ؛ فبعث في ذلك الرجل رفيقه في تلك الساعة ، فلمّا وصل إليه رسوله ، تداخله من الفزع غير قليل ؛ فخشي على نفسه ؛ فنهض إليه ، وأكفانه معه ؛ فلمّا وصل قال له : « يا هذا ، قد مات القاضي ابن السليم » قال : فزاد فزع الرجل ، ثمّ قال له : « من ترى أن يولّى القضاء ؟ » قال له : « الذي رأينا تلك الليلة ! محمد بن يبقى بن زرب » فقال له المنصور : « فانهض إليه ، واقرأه سلامي ، وبشّره بالقضاء ، وأخبره بكلّ ما دار بي معك في تلك الليلة ، حرفا بحرف ؛ ولا تنقصه شيئا ؛ ولا توجده عذرا إن اعتذر »