ابن الحسن النباهي الأندلسي

102

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

أصل الدين ، وفرعه ودليله وتأويله ، ومن يرد اللّه به خيرا يوفقه للاقتداء بهما ، والاقتباس منهما . وأمره أن يصلح سريرته فيها ، يصلح اللّه علانيّته ؛ وأن يبرأ من الهوى ؛ فإنّه مضلّة عن طريق الحقّ ؛ وأن يجعل الناس في نفسه سواء ، إذا جلس للحكم بينهم ، حتى لا يطمع فيه الشريف ، ولا ييأس منه الضعيف . وأمره أن يعتبر أمره وما قلّده ؛ فيعلم أنه راكب طريقا منتهاها إلى الجنّة أو إلى النار ؛ ليس عن أحدهما مصرف ، ولا بينهما موقف ، فحقّ لمن أراد النجاة أن يستكثر من الحسنات ، ويمنع دينه ممّن أراد أن يؤنسه في الشبهات ، ويعلم أنه حاكم في ظاهره ، محكوم عليه في باطنه ، تطوي كلّ يوم صحيفته على ما أودعها ، حتى ينظر فيها غدا بين يدي اللّه - عزّ وجهه - يوم تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ « 1 » فمن حاسب نفسه في الدنيا ، كان أيسر حسابا في الآخرة . وأمره أن يتحفّظ في حين وقوع الشهادات عنده ؛ فلا يقضي بين المسلمين منها إلّا بما أقامه به التحقيق على ألسنة العدول ، ذوي القبول ، وإن استراب في شهادة أحدهم وقتا ما ، أن يبحث عنها ، فإن ثبت أنه ارتشى ، أو شهد بالهوى ، فعليه أن يسقط شهادته ، ويخلّ عدالته ، تنكيلا له ، وتشديدا لمن خلفه ، وأن يحمل على الناس معاريض الوكلاء على الخصومات ويطرح أهل اللّدد « 2 » الظاهر منهم ، ولا يحمل فضل حجاجهم عمّن لا يقوم بهم . وأمره أن يحترس بأموال اليتامى ، ولا يولّي عليهم إلّا أهل العفاف عنها وحسن النظر فيها ؛ وأن يجدّد الكشف والامتحان عن أموال الناس والأحباس واليتامى ، يمنع من قبالتها إلّا على وجوهها مما لا بدّ منه من التنفيذ فيها ، وطلب الزيادة عند ذوي الرغبة في قبالتها . وأمره أن يختبر كاتبه وحاجبه وخدمته ، ويتفقّد عليهم أحوالهم إذا غابوا عن بصره .

--> ( 1 ) سورة البقرة 2 ، الآية : 281 . ( 2 ) اللّدد : شدّة الخصومة . محيط المحيط ( لدد ) .