ابن الحسن النباهي الأندلسي

103

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

وأمره أن لا يعجّل في أحكامه ؛ فمع العجل ، لا يؤمن الزلل ؛ وأن يرفع إلى أمير المؤمنين ما أشكل عليه الفصل فيه ، ليصدر إليه من رأيه ما يعتمد عليه ، إن شاء اللّه ! واللّه يسأل أمير المؤمنين التوفيق بمنّه وفضله ! وكتب يوم الاثنين ، للنصف من شعبان سنة 353 . ولمّا استمرّت أيام ولاية أبي بكر بن السّليم ، عمدت الناس سيرته ، واطمأنّوا إلى عدله ، ولم يعبه منهم عائب ، إلا من طريق البطء بقضائه ، والتطويل في أحكامه . وكان كثيرا ما يفعل ذلك فيما يتلبّس عليه ، ويحتذي طريق أحمد بن بقي القاضي ؛ فكان ربما أفشى لومه بعض من لحقه ذلك ، ممن يخاصم عنده ؛ ثمّ ، لمّا مات ، أشفق الناس جميعا من فقده ، واجتمعوا على ثنائه والدعاء بالخير له . وكانت وفاته عشيّ يوم السبت لسبع بقين لجمادى الأولى سنة 367 « 1 » . نبذ من أنباء محمد بن يبقى بن زرب « 2 » وهو أحد صدور الفقهاء في زمانه بالأندلس ؛ فقد كان إذ ذاك يسمّى في علمه وورعه ابن القاسم . وكان له حظّ كبير من علم الإعراب والفقه ، يجمع ذلك إلى العبادة ، وسرد التلاوة للقرآن . وكان من أخطب الناس فوق منبر ، وأحسنهم ترتيلا لمنطقه ، وأظهرهم خشوعا في موقفه لخطبته ، وأقرعهم لمن تقرّعه بوعظه ؛ لا يملك أحد من البكاء عينيه ، عند سماعه . قال فيه ابن عفيف : يحقّق قول الحسن البصريّ من أنّ الموعظة ، إذا خرجت من القلب ، وقعت في القلب ، وإذا خرجت من اللسان ، لم تجاوز الآذان . وكان في تعرفاته حازما فطنا . قال ابن حيّان : سمعت المشيخة يقولون إنه لمّا ولي القضاء ، احتبس خواصّ أصحابه المشاورين ، وقد جاءوه مهنّين ؛ فأمر غلامه : فكشف عن مال عظيم صامت في صندوق له ، وقال : « يا أصحابنا ، قد عرفتم ما نحن به من تولي القضاء قديما من سوء الظّنّة ؛ وأخشى أن أطلق الناس على غرضي ! وهذا حاصلي ، وفيه من العين

--> ( 1 ) في جذوة المقتبس وبغية الملتمس : مات في رجب سنة 367 ه . ( 2 ) تقدمت ترجمة ابن زرب ( ص 29 ) وأشرنا هناك إلى مصادر ترجمته .