ابن الحسن النباهي الأندلسي

10

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

وهكذا تغيّرت الحال بين الرجلين ، فأظلم بينهما الجو ، وانقلب ابن الخطيب إلى مهاجاة صديقة القديم ، فذكره بما يباين ما سبق ، وذمّه بأقذع الذمّ ، وو صمه بما لا يليق سماعه ، وذلك في ترجمة له قاسية ، ساقها في كتابيه « الكتيبة الكامنة » و « أعمال الأعلام » اللذين ألّفهما في منفاه ، فقال في الأول : « القاضي علي بن عبد اللّه بن الحسن النباهي البني المدعو بجعسوس « 1 » ، أطروفة الزمن ، التي تجلّ غرائبها عن الثمن ، وقرد شارد من قرود اليمن . . . وإن كان لأبيه ببلده درجة الأمير ، عند مولدي الحمير ، ينظّف بيديه أرحامها ، بعد أن يحكم بالدهن أقحامها . . . وكانت أمّه أمّ جعسوس قابلة ذلك الوضع ، ومقدرة الفطام والرضع ، تولول عند الخلاص ، وتعوذ المولود بسورة الإخلاص ، وتقطع سرّة اليعفور بالأظفور . . . ثم تعرّف بالسلطان في حكاية ، وقدّمه قاضيا في سبيل يمين شاردة ونكاية . . . فجاءت سيره في الأحكام سمر الندام ، ونقل أولي المدام ، وشاهد خسّة الدنيا على مملك الإبرام ، والموجد بعد الإعدام . . . وهذا الشيخ ممن زيّن له سوء قوله ، وحبّب إليه شمّ خرئه واستعذاب بوله ، فيكتب ويشعر ، ويكلب ويسعر ، وهو لا يفطن بالهزء ولا يشعر . . . » « 2 » . وقال في الثاني : « الشيخ القاضي اليوم بغرناطة عليّ بن الحسن ، الملقب بجعسوس ، أطروفة الدنيا وأضحوكتها شكلا وعلما وخلقا ، فحسبها فرصة تغتنم بضعف عقله . . . » « 3 » . وهكذا لم يقتنع ابن الخطيب بما سرده في هذين الكتابين من تندّر وثلب ، فألّف في النباهي رسالة هجاء أسماها « خلع الرسن في وصف القاضي ابن الحسن « 4 » » . وقد أسماها ابن الخطيب « خلع الرسن في التعريف بأحوال ابن الحسن » « 5 » ، وقال : إنّ كتاب خلع الرسن يتضمن نوادر ابن الحسن وهي غريبة جدا ،

--> ( 1 ) الجعسوس ، بضم الجيم والسين وسكون العين : القصير الذميم ، واللئيم الخلقة والخلق ، والجمع جعاسيس . لسان العرب ( جعس ) . ( 2 ) الكتيبة الكامنة ( ص 146 - 149 ) . ( 3 ) أعمال الأعلام ( القسم الثاني ص 78 ) . ( 4 ) نفح الطيب ( ج 5 ص 122 ، 138 ) . ( 5 ) أعمال الأعلام ( القسم الثاني ص 80 ) .