ابن كثير
633
طبقات الشافعية
منه بريء ، وسيّدي المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم منه بريء ، وربّنا سبحانه منه بريء . ومن خلا بأمرد فكذلك ، ومن نكث البيعة فإنّما ينكث عن نفسه ، ثمّ قام من مجلسه ، ومات بعد شهر . وذكروا أنّه كان يحضر الحادي في أوّل أمره ثمّ في نهايته كان يقول الحادي ولا يسمع وإن كان فريقا منه ، مكث كذلك نحوا من سبع سنين . وذكر الشّيخ أبو الفرج ابن الجوزي « 9 » : أنّ سبب مرضه الذي مات فيه ، أنّه سمع القوّال ينشد أبياتا فتواجد منها ، وكان المنشد لها الشّيخ عبد الغني بن نقطة حين زاره أنشده إيّاها ، فاضطرب وانزعج ، وهي هذه الأبيات : إذا جنّ ليلي هام قلبي بذكركم * أنوح كما ناح الحمام المطوّق وفوقي سحاب يمطر الهمّ « 10 » والأسى * وتحتي بحار بالأسى تتدفّق سلوا أمّ عمرو كيف بات أسيرها * يفكّ الأسارى دونه وهو موثق فلا أنا مقتول ففي القتل راحة * ولا أنا ممنون عليه فيعتق وقال الشّيخ عبد الرّحمن بن سلمة « 11 » : سمعت سيّدي الشّيخ يقول : لمّا حضرت الوفاة سيّدي أحمد قبلها بأيّام قلت : يا سيّدي ما نقول بعدك وما تورّثنا ؟ فقال : أي علي ، قل عنّي أنّه ما نام ليلة إلّا وكلّ الخلق أفضل منه ، ولا حرد قطّ ، ولا رأى لنفسه قيمة قطّ ، وأمّا ما أورثه ، فيا ولدي تشهد أن لا مال لي حتّى أورّثكم ، إنّما أورّثكم قلوب الخلق لك ولذرّيتك إلى يوم القيامة ، البيعة عامّة والنّعمة تامّة والضّمين ثقة ، هي اليوم مشيخة ، وإلى يوم القيامة مشيخة بمملكة ، كذا قال . توفّي إلى رحمة اللّه تعالى يوم الخميس ثاني عشري جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة . ودفن في قبّة الشّيخ يحيى النجّار ، ولم يعقّب ، وإنّما المشيخة في بني أخيه ، واللّه أعلم .
--> ( 9 ) مرآة الزّمان ق 1 / ج 8 / ص 370 . ( 10 ) المرجع السّابق وفيه : يمطر الشّوق . ( 11 ) غير واضحة في الأصل ، ويوحي رسم حروفها : ابن سلمة .