ابن كثير
24
طبقات الشافعية
قل للذي لم تر عينا من رآه مثله * ومن كان من رآه قد رأى من قبله العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله * لعلّه ببذله لأهله لعلّه ويقال : إنّ هذه الأبيات لمحمّد بن الحسن ، وذلك فيما نقله ابن عساكر بإسناده عن الشّافعي رضي اللّه عنه أنّه قال : كنت انظر في جزء تجاه محمّد بن الحسن فقال : أرني ما تنظر فيه ، فلم أره فتناول القلم والقرطاس فكتب هذه الأبيات . قلت : ولم يجتمع الإمام الشّافعي رضي اللّه عنه في هذه القدمة بأحمد بن حنبل ولا بغيره من المحدّثين ، لأنّ أحمد رحمه اللّه كان عمره إذّاك عشرين سنة أو نحوها ولم يكن مشهورا ، وإنّما اجتمع بهم في القدمتين الأخريتين في سنة خمس وتسعين ، وأقام ببغداد سنتين ثمّ رجع إلى مكّة ثمّ عاد إلى بغداد في سنة ثمان وتسعين فأقام أشهرا ، ثمّ خرج إلى مصر فأقام بها حتّى مات رحمه اللّه ورضي اللّه عنه سنة أربع ومائتين ؛ وكان سبب وروده بغداد في المرّة الأولى تظلّم أولئك النّفر من أهل نجران عليه في أحكامه عليهم ، وقد كان فيها بارّا راشدا تابعا للحقّ رحمه اللّه ؛ ثمّ عاد إلى بلده وطلبه ، وقد كان في جميع أحواله يطلب العلم ولا يصدّه عن ذلك صادّ ، ولا يثنيه عن ذلك رادّ . قال ابن أبي حاتم : حدّثنا يونس بن عبد الأعلى قال : قال لي الشّافعي رضي اللّه عنه : ما اشتدّ عليّ فوت أحد مثل فوت ابن أبي ذئب واللّيث بن سعد رحمهما اللّه ، وحدّثنا أحمد بن سلمة بن عبد اللّه النّيسابوري عن أبي بكر بن إدريس ورّاق الحميدي يقول : قال الشّافعي رضي اللّه عنه : خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتّى كتبتها وجمعتها ، ثمّ لمّا حان انصرافي مررت برجل في طريقي وهو مختبئ في فناء داره أزرق العين ناتئ الجبهة ، فقلت : هل من منزل ؟ قال : نعم ، [ فقال ] الشّافعي رضي اللّه عنه : وهذا النّعت أخبث ما يكون في الفراسة ، فأنزلني فرأيت أكرم رجل بعث إليّ بعشاء وطيب وعلف لدابّتي وفراش ولحاف ، وجعلت أتقلّب اللّيل أجمع ما أصنع بهذه الكتب إذ رأيت هذا النّعت في هذا الرّجل ، فلمّا أصبحت قلت للغلام : أسرج فركبت ومررت عليه وقلت له : إذا قدمت مكّة ومررت بذي طوى فاسأل عن منزل محمّد بن إدريس الشّافعي ، فقال لي الرّجل : أمولى لأبيك أنا ؟ قلت : لا ، قال : فهل كانت لك عندي نعمة ؟ ، قلت : لا ، قال :