ابن كثير
20
طبقات الشافعية
فجعلت لذّتي في هذا العلم وطلبه حتّى رزق اللّه منه ما رزق . قال شيخنا الحافظ أبو عبد اللّه الذّهبي « 5 » : قوله باليمن غلط إلّا أن يريد به القبيلة ، وهذا محتمل لكن خلاف الظّاهر . قلت : فهذه ثلاث روايات في بلد مولده ، والمشهور أنّه ولد بغزّة ، ويحتمل أنّه بعسقلان التي هي قريب من غزّة ، ثمّ حمل إلى مكّة صغيرا ، ثمّ انتقلت به أمّه إلى اليمن ، فلمّا ترعرع وقرأ القرآن بعثت به إلى بلد قبيلته مكّة فطلب بها الفقه واللّه أعلم . وأمّا زمان مولده ففي سنة ولد في اليوم الذي توفّي فيه أبو حنيفة ولا يكاد يصحّ هذا ويتعسّر ثبوته جدّا ، وما يذكره بعض الجهلة من المتشيّعين من أنّ الشّافعي رضي اللّه عنه مكث حملا في بطن أمّه أربع سنين حتّى توفّي أبو حنيفة رحمه اللّه فكلام سخيف وليس بصحيح . وقد كان الشّافعي رضي اللّه عنه من أكثر النّاس تعظيما لأبي حنيفة رضي اللّه عنهما ورحمهما . قال ابن أبي حاتم : حدّثني أبو بشر أحمد بن حنبل الدّولابي في طريق مصر حدّثني أبو بكر بن إدريس ورّاق الحميدي عن الشّافعي رضي اللّه عنه قال : كنت يتيما في حجر أمّي ولم يكن معها ما تعطي المعلّم ، وكان المعلّم قد رضي من أمّي أن أخلفه إذا قام ، فلمّا ختمت القرآن دخلت المسجد وكنت أجالس العلماء فأحفظ الحديث أو المسألة ، وكان منزلنا بمكّة في شعب الخيف ، فكنت انظر إلى العظم فأكتب فيه الحديث أو المسألة ، وكانت لنا جرّة قديمة إذا امتلأ العظم طرحته في الجرّة . وحدّثنا محمّد بن روح قال : سمعت الزّبير بن سليمان القرشي يذكر عن الشّافعي رضي اللّه قال : طلبت هذا الأمر عن خفّة ذات اليد ، كنت أجالس النّاس وأتحفّظ ، ثمّ اشتهيت أن أدوّن وكان منزلنا بمكّة بقرب شعب الخيف ، فكنت أجد العظام والأكتاف فأكتب فيها حتّى امتلأ في دارنا من ذلك حبّان .
--> ( 5 ) محمد بن أحمد بن عثمان الذّهبي شمس الدّين أبو عبد اللّه محدّث مؤرّخ ، توفّي بدمشق سنة 748 ه ودفن بمقبرة الباب الصّغير ، من تصانيفه الكثيرة : تاريخ الإسلام ، ميزان الاعتدال ، طبقات الحفاظ ، والمشتبه في أسماء الرّجال ، والعبر ، وسير أعلام النبلاء وغير ذلك ، كحالة 8 / 289 .