ابن كثير

21

طبقات الشافعية

قلت : كان من عادة العرب الكتابة في العظام والعسب واللّخاف ورقاع الأدم وغير ذلك لقلّة القرطاس عندهم ، ولهذا لمّا كتب زيد بن ثابت رضي اللّه عنه القرآن عن أمر الصّديق رضي اللّه عنه كتب عامّته من هذه الأشياء . وقال أبو بكر الخطيب : أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن عبد اللّه الطّبري أخبرنا أحمد بن عبد اللّه بن الخضر المعدّل حدّثنا علي بن محمّد بن سعد حدّثنا أحمد بن إبراهيم الطّائي الأقطع حدّثنا إسماعيل بن يحيى المزني قال : سمعت الشّافعي رضي اللّه يقول : حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين ، وحفظت الموطّأ وأنا ابن عشر سنين ، ثمّ روى الخطيب عن الشّافعي رضي اللّه عنه قال : قمت في بطون العرب عشرا آخذ أشعارها ولغاتها ، وحفظت القرآن فما علمت أنّه مرّ بي حرف إلّا وقد علمت المعنى فيه والمراد ما خلا حرفين أحدها دسّاها والآخر نسيه الرّاوي عنه . قلت : فهذه همّة عالية ممّن يحفظ الكتاب والسنّة وله من العمر عشر سنين ، فرضي اللّه عنه . ويقال : إنّ القبيلة الذي ضوى إليهم الشّافعي رضي اللّه عنه هذيل وهم أفصح العرب . قال الحاكم النّيسابوري « 6 » : حدّثنا أبو الوليد حسّان بن محمّد الفقيه حدّثنا إبراهيم بن محمود حدّثني أبو سليمان يعني داود الأصبهاني حدّثني مصعب بن عبد اللّه الزّبيري قال : قرأ عليّ الشّافعي رضي اللّه عنه أشعار هذيل حفظا ، ثمّ قال لي : لا تخبر بهذا أهل الحديث فإنّهم لا يحتملون هذا . قال مصعب « 7 » : وكان الشّافعي رضي اللّه عنه يسمر مع أبي من أوّل اللّيل حتّى الصّباح ولا ينامان . قال : وكان الشّافعي رضي اللّه عنه في ابتداء أمره يطلب الشّعر وأيّام النّاس والأدب ، ثمّ أخذ في الفقه بعد ، قال : وكان سبب أخذه في الفقه أنّه كان يسير يوما على دابّة له وخلفه كاتب لأبي فتمثّل الشّافعي رضي اللّه عنه ببيت شعر فقرعه كاتب أبي بسوطه ثمّ قال له : مثلك يذهب بمروءته في مثل هذا ، أين أنت من الفقه ؟ فهزّه ذلك فقصد لمجالسة الزّنجي بن خالد مفتي مكّة ، ثمّ قدم علينا فلزم مالكا بن أنس رحمه اللّه .

--> ( 6 ) يذكر في الطبقة الخامسة المرتبة الأولى . ( 7 ) مصعب بن عبد اللّه الزّبيري ، أبو عبد اللّه المتوفّى سنة 236 ه ، كحالة 12 / 191 . .