عبد الرحيم الأسنوي

331

طبقات الشافعية

قال : فسكن ما عندي ، وشرح اللّه صدري لملازمة العلم ، ثم عاد إلى مكة سنة ثمان عشرة وجاور بها ، وتزوج وقرأ « الحاوي الصغير » على قاضيها نجم الدين الطّبري ، وأقام بها مدة ملازما للعلم ، ثم ترك التزويج وتجرّد نحو عشر سنين ، وتردد في تلك المدة بين الحرمين الشريفين ، ورحل إلى الشام سنة أربع وثلاثين ، وزار القدس والخليل ، وأقام بالخليل نحو مائة يوم ثم قصد الديار المصرية في تلك السنة مخفيا أمره ، فزار الإمام الشافعي وغيره من المشاهد . وكان أكثر إقامته بالقرافة في مشهد ذي النّون المصري ، ثم حضر عند الشيخ حسين في مجلس وعظه ، وهو الجامع الذي يخطب فيه بظاهر القاهرة بالحكر ، وعند الشيخ عبد اللّه المنوفي المالكي بالمدرسة الصالحية ، وعند الحويزاوي بسعيد السعداء وكان إذ ذاك شيخها ، واشتهر في تلك الأيام قدومه إلى القاهرة ، إلا أن اللّه تعالى حقق قصده ، فلم يعثر عليه أحد ممن يظهر أمره ، ثم سافر إلى الوجه البحري من أعمال الديار المصرية ، وزار الشيخ محمد المرشدي وبشرّه بأمور ، ثم قصد الوجه القبلي وسافر إلى الصعيد الأعلى ، ثم عاد إلى الحجاز وجاور بالمدينة النبوية مدة ، ثم عاد إلى مكة شرّفها اللّه تعالى ملازما للعلم والعمل ، وتزوّج وأولد عدة أولاد ، ثم سافر إلى اليمن سنة ثمان وثلاثين لزيارة شيخه الشيخ علي المعروف بالطواشي ، فإنه كان إذ ذاك حيا وزار أيضا غيره من العلماء والصلحاء ، ومع هذه الأسفار لم تفته حجة في هذه السنين ، ثم عاد إلى مكة حرسها اللّه تعالى ، وأنشد بلسان الحال : فألقت عصاها ، واستقرت بها النّوى * كما قرّ عينا بالإياب المسافر وعكف على التّصنيف والإقراء ، والاسماع ، وصنّف تصانيف كثيرة في أنواع من العلوم ، إلا أن غالبها صغيرة الحجم ، معقود بمسائل منفردة ، ومن تصانيفه قصيدة مشتملة على قريب من عشرين علما ، على ما ذكر إلا أن بعضها مداخل كالتصريف مع النحو ، والقوافي مع العروض ، ونحو ذلك . وكان يصرف أوقاته في وجوه البر ، وأغلبها في العلم ، كثير الإيثار والصدقة مع الاحتياج ، متواضعا مع الفقراء ، مرتفعا على أبناء الدنيا ، معرضا