خليل الصفدي
5
أعيان العصر وأعوان النصر
سنة ست عشرة وسبعمائة ، ودفن بالقرب من الشيخ محمّد بن أبي جمرة بتربة القاضي فخر الدين ناظر الجيش بالقرافة ، ورثاه جماعة من الأفاضل وتأسف الناس عليه . وأنشدني من لفظه لنفسه القاضي شمس الدين محمّد بن داود ابن الحافظ ناظر جيش صفد يرثيه : ( السريع ) ما مات صدر الدّين لكنّه * لمّا غدا جوهرة فاخره لم تعرف الدّنيا له قيمة * فعجّل السّير إلى الآخرة قلت : وهو مأخوذ من قول الأول : ( البسيط ) قد كان صاحب هذا القبر جوهرة * غرّاء قد صاغها الباري من النطف عزّت فلم تعرف الأيّام قيمتها * فردّها غيرة منه إلى الصّدف ونشأ الشيخ صدر الدين - رحمه اللّه تعالى - بدمشق ، ونبغ وظهر ، واشتهرت فضائله ومناظراته ، ودرّس بالمدارس الكبار ، واشتهر صيته ، ولما دخل الناس في الجفل أيام غازان ، وعلماء الشام كبارهم وصغارهم ، فلم يقعد صدر الدين ثلاثة أيام ، حتى أعطي تدريس المشهد - فيما أظن - . وكانت له وجاهة وتقدّم عند الدولة ، ونادم الأفرم وغيره ، وركب البريد إلى مصر في أيام الجاشنكير ، واجتمع هو وابن عدلان ، وأفتوا بأن الملك الناصر محمّد لا يصلح للملك ، ورمي بأنه نظم قصيدة هجا بها السلطان ، ومن جملتها ، وعمل أعداؤه إلى أن أوصلوا القصيدة إلى السلطان ، فكانت في سولفه يخرجها كل يوم ويقرؤها ، وأراد الصّاحب فخر الدين بن الخليلي القبض عليه ؛ تقرّبا إلى الملك الناصر ، فلما أحسّ بذلك هرب هو إلى السلطان ، وجاء إليه وهو على غزة ، حكى قاضي القضاة جلال الدين القزويني ، قال : بينما أنا جالس عند السلطان بغزة ، فإذا بالأمير سيف الدين بكتمر الحاجب قد دخل ، وقال : يا خوند صدر الدين بن الوكيل ، فقال : يحضر ، فلما دخل به بكتمر الحاجب قال له : بس الأرض ، فقال : مثلي ما يبوس الأرض إلا للّه - تعالى - ، فقال : فجمعت ثيابي ؛ لئلا تلحقني طراطيش دمه لما نعلمه من أنفاس السلطان فيه ، فقال له : ويلك أنت فقيه ، تركب على البريد ، وتروح من دمشق إلى مصر ؛ لتدخل بين الملوك ، وبعض الدول وتهجوني ، فقال : حاشى للّه يا خوند ، وإنما أعدائي وحسّادي نظموا ما أرادوا على لساني ، ولكن هذا الذي قلته أنا ، وأخرج قصيدة تجيء مائة بيت ، وأنشدها في وزن تلك ورويّها ، فأعجب السلطان وعفا عنه . قال جلال الدين : ولما أصبحنا ، وسارت العساكر والجيوش والسلطان رائح ، وإلى