خليل الصفدي

6

أعيان العصر وأعوان النصر

جانبه صدر الدين بن الوكيل ، فتعجّبنا من ذلك ، ولما عاد إلى مصر ، وطلبه من حلب ، عظّمه السلطان ، كان إذا رآه وعليه الخلعة ، يقول : اللّه إن هذا صدر الدين إلا شكل مليح ، مجمّل التشاريف التي يلبسها ، وقد جرى له مع السلطان في قضية البكري ما جرى ، وخلّصه منه بعد ما أمر بقطع لسانه ، وقد ذكرت ذلك في ترجمة البكري . وباشر بدمشق مدارسها الكبار ، ودار الحديث الأشرفية ، والشامية البرّانية ، والجوانية ، والعذراوية والخطابة بالجامع الأموي ، ولكنه لم يصلّ في المحراب إلا يومين ، حتى قام الشيخ تقي الدين بن تيمية ، وغيره من المتعصّبين عليه حتى عزل ، وأثبت قاضي القضاة شمس الدين الحريري محضرا بعدم أهليته للخطابة . وكان الشيخ صدر الدين في القاهرة لما توفي زين الدين الفارقي خطيب الجامع الأموي في تاريخ وفاته - على ما يأتي في ترجمته - ، وكان الأفرم غائبا في الصيد ، فلما عاد عيّن الشامية ودار الحديث للشيخ كمال الدين بن الشريشي ، وعيّن الناصرية للشيخ كمال الدين بن الزملكاني ؛ عوضا عن ابن الشريشي ، وعيّن الخطابة للشيخ شرف الدين الفزاري ، وأمره بالإمامة والخطابة ، فباشر وخطب جمعتين ، ولازم الإمامة عشرة أيام ، فوصل البريد يوم الاثنين منتصف شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعمائة ، ومعه توقيع بجميع جهات الشيخ زين الدين للشيخ صدر الدين بن الوكيل مضافا إلى ما بيده من المدرستين ، فشقّ على الناس خروج الشيخ شرف الدين من الخطابة ، بعد مباشرته وكماله وصلاحه ، وجودة قراءته وحسن أدائه ، ووصل الشيخ صدر الدين بعد ذلك على البريد ، وسلّم على الأفرم بالقصر ، وحضر إلى الجامع ، ودخل إلى دار الخطابة ، وهنأه الناس على العادة ، وصلّى بالناس العصر ، وبقي يومين ، يباشر الإمامة ، فأظهر جماعة التألّم من خطابته ، واجتمعوا بالأفرم ، فمنعه من الخطابة ، وأقرّه على المدارس الثلاث ، ثم إنه وصل توقيع بالخطابة للشيخ شرف الدين من القاهرة ، ثم إن الشامية البرانية انتزعت منه أيضا للشيخ كمال الدين بن الزملكاني . وفي أيام قراسنقر ونيابته على دمشق ، قام على صدر الدين جماعة من الفقهاء ، ونازعوه في المدارس التي بيده ، وحصل له من قراسنقر أذى كثير ، وخاف على نفسه منه ، فتوجّه إلى قاضي القضاة تقي الدين الحنبلي ، وطلب منه الحكم بإسلامه وحقن دمه ، وإسقاط التعزير عنه ، والحكم بعدالته واستحقاقه المناصب ، فحكم له بذلك ، ثم ورد المرسوم من مصر بعزله من سائر جهاته ، وبقي بطالا . ولما فرغ شهر رمضان سنة عشر ، توجّه إلى حلب ، وأقبل عليه أسندمر نائب حلب إقبالا زائدا ، وطلبه يوما قبل صلاة الجمعة ، وسأله عن تفسير قوله تعالى : وَالنَّجْمِ إِذا