خليل الصفدي

384

أعيان العصر وأعوان النصر

الملك الناصر محمّد مطابخ السكر ، وولاه نظر الأهراء مع ما بيده ، وتولى نظر البيمارستان المنصوري ، فسلك فيه أحسن السلوك ، ورافق فيه الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك ، وبعده الأمير علم الدين الجاولي ، وبعده الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا ، ووقع بينهما ، وعزل منه في الأيام الصالحية إسماعيل ، ثم تولاه ، ورافق فيه الحاج أرقطاي نائب مصر ، وكان قد تولى أيام الملك الناصر محمّد حسبة القاهرة ومصر ، وكان قبل ذلك محتسب القاهرة مع البيمارستان ، ولما كان الغلاء في سنة ستّ وثلاثين ، وسبعمائة جمع له السلطان بين الحسبتين . ولما خرج القاضي جلال الدين من القاهرة إلى قضاء الشام تعصّب شرف الدين النشو عليه ، وساعده عليه غيره ، وأخذوا منه الحسبتين والصدقات ، وأبقوا عليه البيمارستان . فلما كانت أيام الصالح إسماعيل ، ولاه نظر الدولة مع البيمارستان ، فباشر ذلك مديدة ، ولم يتناول معلوما ، وطلب الإعفاء ، فأعفاه ثم ولاه الجوالي مع حسبة القاهرة والبيمارستان ، ثم إنه وقع بينه وبين الأمير بدر الدين جنكلي ، فعزل من الجميع في أواخر دولة الصالح ، ولزم بيته . فلما كان في أيام الكامل تولى نظر البيمارستان والحسبة بالقاهرة ، ثم إن علاء الدين ابن الأطروش نازعه في وظائفه هذه مرات ، وتولاها ثم تعاد عليه ، ثم إن الأمير سيف الدين صرغتمش اعتمد عليه في الأوقاف بمصر والشام ، وكان يدخل به كل قليل إلى السلطان الملك الناصر حسن ، ويخرج من عنده بتشريف ، وزادت عظمته ووجاهته ، وبالغ في إكرامه وتقديمه على الناس كلهم . ولما أمسك صرغتمش قبض عليه ، وضرب وعصر ، وأخذ منه شيء قليل ، وأخرجوه إلى قوص فتوجّه إليها ، وأقام بها سنة وأكثر ، ثم رسم بعوده إلى القاهرة ، فأقام بها في بيته بطالا إلى أن توفي . وكان شكلا تاما غليظا ، عليه مهابة وله عبسة ، وهو مع أصحابه الذين نعرفهم من ألطف ما يكون ، وما رأيت أكثر رياسة منه ، ومع ذلك طاهر اللسان لا يذكر أحدا إلا بخير ، ويعامل صديقه وعدوّه بمعاملة واحدة ، يملك نفسه ، ولا تظهر عليه كراهة لأحد ، وصدره على طعامه متسع ، وكل لأهل الشام نعم الذخيرة انتفعوا به كثيرا . وقلت لما بلغتني وفاته بالقاهرة في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبعمائة - رحمه اللّه تعالى - : ( مجزوء الرمل ) مالنا من سوء عيش * عمّنا فيه الشّقاء