خليل الصفدي
373
أعيان العصر وأعوان النصر
وطأة على القريب والغريب : ( البسيط ) قاض إذا التبس الأمران عن له * رأي يفرّق بين الماء واللّبن القائل الصّدق فيه ما يضرّ به * والواحد الحالتين السّرّ والعلن الفاصل الحكم عيّ الأوّلون به * ومظهر الحقّ للسّاهي وللذّهن وكان فيه ديانة وحسن عقيدة ، وله محاسن كل منها بيت القصيدة . وكان في أيام نيابته لقاضي القضاة جلال الدين بدمشق قد قام على الشيخ تقي الدين ابن تيمية في مسألة الزيارة ، وسدّد سهمه إليه ، وأطلق زيارة ، وانتصب لهذا الأمر ، وأوطأ قدميه على الجمر ، ولم يصلّ على جنازته ، وتبرأ من حيازته ، ولم يزل على حاله ، إلى أن وقعت له تلك الواقعة التي كان فيها غرضا للسهام الرواشق ، ووقته في وقتها كل غاسق ، ودخل إلى دار السعادة وهو قاضي القضاة ، وخرج منها وهو فاسق ، واعتقل في القلعة مدة ، وحلّت به في هذه الواقعة كل شدة ، ثم إنه أفرج عنه بعد مدة ، وأعطي تدريس المسروريّة بعد أن كاد يموت غمّا ، كما جرى لسيبويه في المسألة الزنبورية . ولم يزل بعد ذلك على حاله إلى أن غاض ماء حياته ، وفاض دمع باكياته ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة ، ودفن بوادي العظام عند أهله . ومولده سنة ستّ وثمانين وستمائة . وكان قد درّس بالدولعيّة ، وخرّج له شيخنا علم الدين البرزالي عن الفخر علي وجماعة ، ولما توفي قاضي القضاة علم الدين الأخنائي ، ولي هو بعده قضاء القضاة بدمشق ، وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة ؛ لأن الأمير سيف الدين تنكز كتب في أمره للسلطان بعناية ناصر الدين الدوادار ، وباشر القضاء على أحسن ما يكون من الصّلف والعفّة ، وكان فصيحا بليغا ، شديد العارضة في البحث . ثم إن حمزة التركماني أحرف الأمير سيف الدين تنكز عنه وأغراه ، ولم يزل به إلى عقره ، وقال عنه : إنه رشا ناصر الدين الدوادار بالذهب على القضاء ، وهذا أمر أنا وغيري نستبعده من الجانبين ، وكان تنكز قد فوّض إليه الأمر في الشيخ ظهير الدين ؛ لأنه لم يصح ما نقله عنه ، فبالغ ابن جملة في تعزير الظهير واستقصى ، والاستقصاء شؤم ، فعقد له مجلس في يوم الجمعة التاسع عشر من شهر رمضان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة ، وقد بيّت القضية له حمزة ، فدخل وهو قاضي القضاة في الشام ، وخرج وهو فاسق ، قد حكم بعزله وسجنه في القلعة ، وكانت واقعة غريبة في تلك الأيام ، لم يعهد الناس مثلها . أنشدني إجازة لنفسه القاضي زين الدين عمر بن الوردي : ( المنسرح )