خليل الصفدي
374
أعيان العصر وأعوان النصر
دمشق لا زال ربعها خضرا * بعدلها اليوم يضرب المثل فضامن المكس مطلق فرح * فيها وقاضي القضاة معتقل وقلت أنا في ذلك : ( البسيط ) العفو يا ربّ من بلاء * قوى الورى ما تطيق حمله أمر جرى في الوجود فرد * يا عجبا وهو لابن جمله وأقام في الحبس خمسة عشر شهرا إلى أن شفع فيه موسى بن مهنا ، وتحدّث الأمير سيف الدين تنكز مع قاضي القضاة شرف الدين المالكي في العاشر من صفر سنة ست وثلاثين وسبعمائة في إخراجه من الاعتقال ، فقال القاضي : يكتب خطه ، ويشهد عليه أن الحكم الذي صدر منه في حقه صحيح ، فلم يجب إلى ذلك ، وتردّد الرسول إليه في ذلك غير مرة ، ثم إنه أجاب إلى أنه يمشي إلى مجلس المالكي ، ويسلم عليه ، فخرج من القلعة يوم الاثنين الثالث عشر من صفر إلى دار القاضي المالكي ، ثم إلى الجامع ثم إلى أهله بالمدرسة المسرورية ، وولي القضاة بعده القاضي شهاب الدين بن المجد عبد اللّه . ولما خرج من الاعتقال أعطي تدريس الدولعيّة ثم تمرّض ، وخلت المدرسة الشامسة البرانية ، فدرّس بها أياما بعد ذلك زين الدين بن المرحّل ، وكانت وفاته بالمسرورية . وكنت بالديار المصرية لما رسم السلطان الملك الناصر بولايته قاضي القضاة ، فكتبت له تقليده بذلك ، ونسخته : الحمد للّه الذي أعلى منار الشرع الشريف بجماله ، وجلّى دجاه بمن تحسده البدور في الأفق ليالي التمام على كماله ، وشيّد ركنه بمن يقصر باع السيف في جلاده عند جداله ، وحفظ قواعده بمن إذا أمسك قلم فتاويه تفيّأت الأحكام تحت ظلاله ، وأحيا سنّته بمن تتضح به سنن حرامه وحلاله ، ونشر لواء فضله بمن إذا ظمئ البحر المحيط فقل : دع ذا فإنك عاجز عن حاله . نحمده على نعمه التي ادخرت لأيامنا الشريفة حبرا عزّ بوجوده اجتماع المثلين ، واقتطف ثمار العلوم فما داناه أحد في الفروع ولا وصل معه إلى الأصلين ، وطال بالعلم ثم بالحلم ، وزاد في تطوّلاته ، ونشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، شهادة ندّخرها ليوم القضاة والفصل ، ونعلم أنها أصل الإيمان وما سواه فرع ، والقياس ردّ فرع إلى أصل ، ونعتمد على بركات فضلها في الأمر والنهي والقطع والوصل ، وننال بإخلاصها على أعداء الدين عز العزم ونصر النّصل . ونشهد أن سيدنا محمّدا عبده ورسوله خير من قضى ومضى ، وأعدل من مضى ،