خليل الصفدي
344
أعيان العصر وأعوان النصر
الدين ابن القاضي شرف الدين ، ابن الصّاحب فتح الدين بن القيسراني المخزومي ، تقدّم ذكر والده القاضي عماد الدين ، وذكر غيره من بينهم . كان القاضي شهاب الدين قد طبع على الرئاسة ، وجمع في أجزائه من السيادة والسياسة ، يتجمّل في مركوبه وملبوسه ، ويتحمل المضض من نكد دهره وبؤسه ، لا يشكو والدهر قد عضّه بنابه ، ولا يظهر الشماتة ، ولا يظهر الشماتة بعدو ، ولا يقول في شده : ليت ما بنا به ، ولا يتلفظ بسوء في حق من آذاه ، ويقول : من أطلق لسانه فليس بنابه ، تخف الجبال الراسيات لوقاره ، وتتعجب السلافة من لطفه ، وهي في خزف الدّن وقاره ، أخلاقه كنسيم الصّبا ، فالخمائل منها في خمول ، ومحاسنه كثيرة العدد ، وعلى ظهر الزمان منها حمول ، وبشر يتعجب من دوامه جليسه ، وتواضع يشهد بالرفعة له أنيسه : شيمة حرّة وظاهر بشر * راح من خلفه السّماح يشفّ هذا إلى كرم يضطرب موجه ويشهد لمؤمّله بالفوز فوجه ، ولاه السلطان الملك الناصر محمّد كتابة السر بالشام ؛ إكراما للأمير سيف الدين تنكز ، وتوهّم فيه التقصير فبدا منه كل أمر معجز ، فنفّذ مهمات البريد ، وصان أسراره ، وصال على أعاديه بكتبه التي يجهزها على الحرارة ، حتى دخل في عين تنكز ، وملأ قلبه ، وجعل إليه إيجابه وسلبه ، وألقى إليه مقاليد دولته ، وروى الليث عنه أسانيد صولته ، فتقدّم في تلك الدولة ورأس ، وجنى من ثمرات الشكر مما غرس ، فكان إذا جلس في صدر ديوانه ، كأنه كسرى في إيوانه مقدد وسؤدد ، وستور من الجلالة عليه ترخى ، أطناب من المهابة تمدد : ( الكامل ) بصفاته سجع الحمام وهزّ عط * فيه قضيب البانة الأملود سلك المكارم والممالك عزمه * فغدت وليس لنظمها تبديد من معشر مولودهم في مهده * يرجى ومن قبل الفطام يسود وكان خطّه أبهى من الروض وأبهج ، وسطوره في طروسه آنق من بحر كافور بالمسك قد تموّج ، قد صغت حروفها وقعدت ، ووضعت تيجان الحسن على رءوسها ، وعقدت . إلا أن الزمان قطع عليه اللذة ، وارتجع حسنته الفذة ، فأمسك السلطان تنكز ، فانحل نظام السّعد ، وزالت تلك المحاسن ، و « للّه الأمر من قبل ومن بعد » ، وأصابه في تلك المحنة شؤبوب ، ومرّ عليه من لامع برقها ألهوب ، إلا أنها كانت شدة خفيفة ومحنة عفيفة ، فانقشع غيمها ، وانجمع ضيمها ، ثم إنه أرسل سعده بعد فترة ، ورفع على رأسه جترة ، وقالت له الأيام : ( البسيط )