خليل الصفدي
7
أعيان العصر وأعوان النصر
رشيد على هذه الوظيفة مغل بلدين ، إلى غير ذلك من الأرزاق الواسعة ، وكان يطلعه من أسراره على ما لا يطلع غيره عليه . ولما استقر غازان ، وثبتت قدمه ، قطع الراتب عن كازخاناة السراي ، وجامعهم بتوزير ، وما كان لهم من قديم الزمان ، فجاءته رسل ملك السراي ، وقالوا له : خرجت عن الياسا ، فردّهم أقبح رد ، وقال : الياسا ما أقرره أنا ، ويكفيكم سكوتي عنهم . قال نظام الدين يحيى بن الحكيم « 1 » : إن هلاكو لما فتح البلاد لمنكوقان ، نزل نفسه منزلة النائب له ، لا يخرج له عن أمر ، فبعث يقول له : إن بركة آغا - يعني ملك السراي - ليس في بلاده صناع ، ولا لها كبير دخل ، ويحتاج هو وعسكره إلى قماش ، فتكون له مراغة وتوريز ، فسلّمها إلى نواب بركة ، فعمّروا بها كازخاناة لاستعمال القماش ، والكازخاناة عندهم بمنزلة دار الطراز عندنا ، وبنوا لهم جامعا ، وظّف له وظائف ، وكتب عليهما اسمه ، ثم كانوا فيما بعد يجرون للكازخاناة والجماع بعض خراج مراغة وتوريز ، فقطع غازان ذلك رأسا ، والجامع والكازخاناة إلى الآن باقيان ، وعليهما اسم بركة . ثم أن قازان بعد ذلك تسمّى بالقان ، وأفرد نفسه بالذكر في الخطبة ، وضرب السكة باسمه دون القان الأكبر ، وطرد نائبه من بلاده ، ولم يسبق قازان إلى هذا أحد من آبائه ، بل كان هولاكو وجميع من جاء بعده لا ينزلون أنفسهم إلا منزلة نواب القان الأكبر ، ولا يسمى أحد منهم بالقان ، وإنما يقال السلطان فلان ، والسكة والخطبة للقان الأكبر دونهم ، وإن ذكر لأحد منهم اسم ذكر على سبيل التبع ، وإن كانوا ملاك البلاد وحكّامها ، ولهم جباية الخراج ، وإليهم العقد والحل ، والولاية والعزل . وقال قازان لما طرد نائب القان : أنا أخذت البلاد بسيفي ما أخذتها بجنكزخان ولا بأحد . ولا يجسر أحد على مراجعته ، ولهذا لا يقال ذهب هولاكي ، ولا أبغاوي ولا أرغوني ، وما يقال إلا ذهب قازاني ، وذهب خربندي ، وذهب بو سعيدي . قال القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه : قال لي الأمير سيف الدين ظهير بغا - رحمه اللّه تعالى - : المغل تقول : « من رأى غازان ما فاتته رؤية جنكز خان » ، ثم قال : مات ملك المغل من بعده ، قال : فحكيت ما قاله للأمير سيف الدين أيتمش الناصري ، وكان أعرف أهل زمانه بأحوال المغل ، فقال : لا أخطأ إلا من رأى غازان ما فاتته رؤية هولاكو ، ومن
--> ( 1 ) نظام الدين هو : يحيى بن عبد الرحمن الجعبري ، توفي بعد السبعين والسبع مائة ، ( انظر : الدرر الكامنة : 4 / 417 ) .