خليل الصفدي

410

أعيان العصر وأعوان النصر

فخره ، والسيف لا يثبت له عند هزه . وأما الخطابة فهو من فرسان منابرها ، وأبطال محاربيها ومحابرها ، كم أذاب حصاة قلب تحت ، وأما الكتابة فما فتح ابن البواب لغيره فيها بابا ، ولا رفع ابن مقلة فيها لغيره أهدابا ، فشهدة شهدت له بالحلاوة نصا ، وياقوت أصبح في خاتمه فصّا ، هذا إلى سياسة حلب بها أشطر الأمور ، وعلم بها مصالح الجمهور ، وملك بعرفانها أزمة تسقط على حبها طير المصالح ، ويصبح راجي العدل بها وميزانه راجح ، وتصدق بتوخيها المنى والمناجح . فلذلك رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني أن يرتب في الحسبة الشريفة بالشام المحروس ؛ لأن هذا العقد بجيده لائق ، وهذا التاج لا يعوقه عن مفرقه عائق ، وهذا الميدان لا يجري معه فيه سابق ولا سائق . فليباشر ذلك مباشرة من هذبته العلوم ، وتدرب بالقواعد الشرعية فاستدل بالمنطوق على المفهوم ، وساد بنفسه العصامية فكان له من الرياسة سرب معلوم ، وملك من السياسة ما يعرف به وجه الظالم من المظلوم ، فقد ولّيناك هذه الوظيفة ، وأنت ملء قالبها ، وعذقنا أمرها بك ، وأنت أولى من قالبها وقال بها ، فتمم نقصها بكمالك ، ومش الناس فيها على أقوام المسالك ، وأقم المهابة فإنها ترعى هؤلاء الرعاع ، ومالك فيها إلا مذهب مالك ، وافعل ما تقتضيه معرفتك من احتكار ومنع ، وانخفاض سعر ورفع ، وتحرير ما يخرج من دار الضرب من النقود ، وتصحيح العيار فكم درهم ودينار هو في المعدوم معدوم ، وقد يتغطّى الزين بالرين ، ويشتبه الشيء الحسن بالشين ، وضبط ما يمتد فيه باع الذراع ، ويتحرك به لسان الميزان ويبتلعه فم الصاع ، ومنع العطارين من بيع العقاقير الغريبة لمن هو مجهول ، والأصناف التي لا يلتئم اجتماعها وريعها بالهلاك مأهول ، وأهم ما عندك خبر الخبز فأمتع العيون ببدور رغفانه ، ووجوه لجين عجينه الذي تتلون في النار خدود عقيانه ، وانظر في جليل أمره ودقيقه ، وقف على مبتدأ حبه وخبز دقيقه ، وانته إلى غاية أمره إذا خرج من النار المسعرة ، واقصد العدل كمن عمل معدلة وسعره ، وغش البواطن فاستعن باللّه على إزالته ، وصلاح فساده وإحالته ؛ لأن ما أمره مغيب ، يتوقف في أمره ويستراب ، والداء القاتل أكثر ما يكون من الطعام والشراب . إلى غير ذلك مما يطول شرحه ، ويضيق هذا المقام فلا يتوسع فيه سرحه ، وأنت بتفصيل الوصايا جد بصير ، ولو قيل لك قليل كان عندك منه علم كثير ، وتقوى اللّه - تعالى - حلية لكل راع ، وزينة لكل فاضل انعقد عليه الإجماع ، فلتكن عين جمالك ، وحاجب جلالك ، واللّه يوفّق مسعاك ، ويحفظك ويرعاك ، والخط الكريم - أعلاه اللّه تعالى - أعلاه حجة في ثبوت العمل بمقتضاه ، واللّه الموفّق بمنّه وكرمه - إن شاء اللّه تعالى - .