خليل الصفدي

408

أعيان العصر وأعوان النصر

قرأ القرآن العظيم ، وأتقنه بالروايات السبع على الكفري ، واشتغل بالعربية على الشيخ محمّد التونسي ، ولازم الشيخ نجم الدين القحفازي كثيرا ، وقرأ الفقه على الشيخ برهان الدين بن تاج الدين ، وسمع بمصر والإسكندرية وحلب وبدمشق من أشياخ عصره . وكان حسنا شكله ، بينا فضله ، كثير التبسّم ، غزير الارتياح للسيادة والتسنّم ، جاب البلاد ، وما هاب الجدال والجلاد ، وقطع المفاوز بحظ هابط ، وعزم صاعد ، وشام كل بارق ، وانتجع كل راعد ، إلى أن أقمر ليل حظه الدجوجي ، بعد ما تطور في أطوار أبي زيد السروجي « 1 » . وكان قد جود الفقه والعربية ، وعلّق التعاليق الأدبية ، وبلغ ما أراد من الوصول إلى الأصول ، واستنفد الحاصل واستغرق المحصول ، وكتب المنسوب الفائق ، وقطع في حسنه الدرج والدقائق ، ونظم جيدا ونثر . ورقا درج منبره ، وكان كأنه في أعلاه حمام هدر : ( البسيط ) ينمنم الخطّ لا يجتاب أحرفه * والوشي مهما حكاها منه يجتاب إلي تصانيف في أكمامها ثمر * تجنيه بالفهم دون الكفّ ألباب ولم يزل على حاله إلى أن نزلت به دؤلول ابنة الرقم ، وأصبح كف الموت من شخصه ينتقم ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بدمشق في بكرة الأربعاء في الثامن عشر من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة . ومولده في ذي الحجة سنة ست وتسعين وستمائة . وجمع كتاب الأحكام في ست مجلدات ، وجوّده ، وتناولته منه ، وأجازني رواية ما له تسميعه بديوان الإنشاء في المحرم سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة بدمشق . وكان قد أمّ بدار الحديث ثم بمسجد الكنيسة ، ودرس بالقوصية ، وأقام بحلب مدة ، وتردد إليها مرات ، ثم أقام بطرابلس مدة ، وتوجّه إلى صفد ، وأهلها على عطش ، ومعه أشياء بخطه فأباعها بأوفر الأثمان ، وتوجّه إلى مصر مرات ، وحضر سنة ست وثلاثين بين يدي السلطان الملك الناصر ، وساعده القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه ، فولاه المدرسة الأمينية بدمشق ؛ عوضا عن القاضي علاء الدين بن القلانسي ، وحضر إلى دمشق على البريد ، وذكر الدرس بها في الرابع من شهر رمضان سنة ست وثلاثين وسبعمائة ، وحضره الأعيان ، ثم إنه سعى ، وأخذ نظرها أيضا من الخطيب بدر الدين ، ومشت بذلك حاله

--> ( 1 ) أبي زيد السروجي هو : بطل مقامات الحريري .