خليل الصفدي
376
أعيان العصر وأعوان النصر
طي النسيم . ومن دعائه ما يقوم منه بوظيفة لا تهمل ، ويشيعه برجاء يطمع معه بكرم اللّه أن يقبل ويقبل ، ويجري منه على عادة إذا انقضى منها ماض ، تبعه الفعل في الحال ، والعزم في المستقبل غير خاف أنه وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ [ الأعراف : 34 ] ، ولكل مقصود أسباب ، ولم يزل يهم بالكتابة ، والأيام تدافع ويعزم على المخاطبة ، فتدفع في صدر عزمه الموانع ، حتى طلع بهذا الوقت فجر حظه ، واستناب منافثة قلمه عن مشافهة لفظه ، وقال لخدمته هذه : ردي موردا غير آسن ، وتهني بمحاسن لا تشبهها المحاسن ، وتوطني المحلة المسعودة ، فكما يسعد الناس فكذلك تسعد الأماكن ، وشاهدي من ذلك السيد صدرا بشره بالنجح ضامن ، وشهابا ما زلنا نعد السيادة سبعا ، حتى عززت لنا منه بثامن ، وكان السبب في ذلك أن القاضي نجم الدين بمحلة منف ، لما قدم القاهرة أقام بحيث نقيم ، وحاضرنا محاضرة الرجل الكريم ، ونافث منافثة لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ [ الطور : 23 ] ، ولازم الدروس ملازمة لولا أنها محبوبة لقلنا ملازمة غريم ، وتلك حقوق له مرعية ، ومعرفة أنسابها مراضعة العلوم الشرعية ، وقصد هذه الخدمة إلى المجلس ، فكان ذلك من واجب حقه ، وذكر ثناء ، فقلنا : رأيت الحق لمستحقه ، وسيدنا - حرسه اللّه تعالى - أهل لتقليد المنن ومحل ؛ لأن يظن به كل حسن ، والعلم بمروءته لا يقبل تشكيك المشكك ، وأبوّة يقتضي أن يرتقي من بعروة وده يستمسك ، واللّه - تعالى - يرفع شانه ، ويعلي برهانه ، ويكتب له يوم إحسانه ، ويطوي على المعارف اليقينية جناته ، ويطلق بكل صالحة يده ولسانه ، بمنّه وكرمه - إن شاء اللّه تعالى - . قلت : ما أعرف من كتب الإنشاء بعد القاضي الفاضل - رحمه اللّه تعالى - مثل القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر ، وما له مثل هذه المكاتبة إذا لم تعتبر التورية ، علم ذلك من علمه ، وجهله من جهله . وأنشدني شيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس ، قال : أنشدني من لفظه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد لنفسه : ( الطويل ) أأحباب قلبي ، والّذين بذكرهم * وترداده طول الزّمان تعلّقي لئن غاب عن عيني بديع جمالكم * وجار على الأبدان حكم التّفرّق فما ضرّنا بعد المسافة بيننا * سرائرنا تسري إليكم فنلتقي وبالسند المذكور له أيضا : ( السريع ) قالوا فلان عالم فاضل * فأكرموه مثل ما يرتضي