خليل الصفدي

346

أعيان العصر وأعوان النصر

يلازم الاشتغال ليلا ونهارا ، ويكرر دروسه في كل وقت مرارا ، وكان من أحسن الناس شكلا ، وأبهجهم وجها ، كأن البدر منه تجلى . وكان قد جوّد الفقه والأصول ، وتوفّر عنده منهما المحصول ، وأما العربية فكان فيها ضعيفا ، ولم يسمع الناس له فيها صريفا ، وناب في الحكم بدمشق فحمدت سيرته ، وود الناس لو دامت على ذلك جيرته . ولم يزل على ذلك إلى أن رحل ابن المرحل إلى المقابر ، وعد بعد أن كان موجودا في الغوابر ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة . وكان عمه الشيخ صدر الدين - رحمه اللّه تعالى - يحسده ، ويقول : لا إله إلا اللّه ابن الجاهل طلع ، وكان قاضي القضاة شمس الدين بن الحريري عينه للقضاء ، وأشار به على السلطان إما لقضاء مصر ، أو لقضاء الشام ، ولم يكن فيه ما يمنعه عن ذلك غير صغر سنه ، وجهزه السلطان على البريد إلى دمشق ، وولاه تدريس الشامية البرانية ؛ عوضا عن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني ، فوصل إليها يوم الثلاثاء تاسع عشري شهر رجب سنة خمس وعشرين وسبعمائة ، وكان الناس قد أوهموا الأمير سيف الدين تنكز ، ووصفوه بالدين المتين ، فلما جاء كان في الميدان ، فلما رآه ترجّل له ، وجاء وقبّل يده ، فنزل بذلك من عينه . وأخبرني جماعة : أن دروسه لم تكن بعيدة عن دروس الشيخ كمال الدين ؛ لفصاحته وعذوبة ألفاظه ، وباشر نيابة الحكم عن قاضي القضاة علم الدين الأخنائي بدمشق في الحادي والعشرين من صفر سنة ثلاثين وسبعمائة . 1634 - محمّد بن عبد اللّه بن محمّد الأموي المروي « 1 » الشيخ الأديب محب الدين أبو عبد اللّه المغربي ، المعروف بابن الصائغ . رأيته بالقاهرة مرات ، واجتمعت به في دروس شيخنا العلامة أثير الدين وغيرها ، وسمعت أنا وهو « صحيح البخاري » بقراءة الشيخ شهاب الدين بن المرحل النحوي على الشيخ فتح الدين ، وأخيه بالقاهرة أبي القاسم بالظاهرية بين القصرين ، فكان هذا الشيخ محب الدين ، يأتي بفرائد في أثناء السماع مما يتعلق بالعربية الغريبة واللغة ، وكان يعرف العروض معرفة تامة ، ويجيد الكلام على غوامضها الخاصة والعامة . وأما العربية فكان عنده لبابها ، ولديه تجتمع أبوابها ، ذهنه الخارق فيها كالنار إذا توقّدت ، وحلها بيده إذا تعقدت ، وشعره فائق جزل ، يسلك به طريق الجد لا الهزل ،

--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 5 / 1296 ، والوافي بالوفيات : 3 / 375 ، وشذرات الذهب : 6 / 165 .