خليل الصفدي
343
أعيان العصر وأعوان النصر
بخدمتهم على أتمّ ما يكون ، وقلّ من أنكر عليه ، فاجتمع به إلا وزال ذلك من خاطره ، وكان شيخنا فتح الدين بن سيد الناس ممن ينكر حاله ، ويشنّع عليه فما كان إلا أن اجتمع به ، فسألته عنه ، فقال : هو إنسان حسن ، ثم إنه اجتمع به مرة ومرة ، وكذلك الأمر ناصر الدين بن جنكلي كان ينكر عليه ، واجتمع به ، وجرى بينهما تنافس في الكلام ، ولم يجئ من عنده إلا وقد رضي به . وأخبرني جماعة ممن توجه إليه ، وأقام عنده ، أن في مكانه مسجدا ومنبرا للخطيب يوم الجمعة ، وكان يأمر الناس بالصلاة ، ولم يصل مع أحد ، وصلاة الجماعة لا يعدلها شيء ، وأمره غريب ، والسلام يتولى اللّه سريرته . وكان قد عظم شأنه ، ويكتب الأوراق إلى دوادار السلطان ، وإلى كاتب السر ، وإلى من يتحدث في الدولة بقضاء أشغال الناس ، بعبارة ملخصة موجزة على يد من يتقاضاه ذلك ، ويقضي جميع ما يشير به وما عظم ، واشتهر في الديار المصرية إلا بتردد القاضي فخر الدين ناظر الجيش إليه ، فإنه كان يزوره كثيرا ، فعظم لذلك محله في النفوس . وبات في عافية ، وأرسل إلى الذين من حوله ؛ ليحضروا إليه ، فقد عرض أمر مهم ، فأتوه فدخل ، والحكايات في شأنه تزيد وتنقص ، إلا أنه لا يدعي شيئا ، ولم يحفظ عنه شطح ، حسن العقيدة شافعي المذهب ، وكان يخرج إلى الواردين أطعمة كثيرة من داخل مكانه ، ولا يدخل إلى ذلك المكان أحد سواه . قال القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه : حكى لي الأمير الوزير مغلطاي الجمالي - رحمه اللّه تعالى - قال : توجّهت إلى زيارة الشيخ محمّد المرشدي ، فلما قربت منه اشتهيت قمحية بلبن حليب بلحم رميس ، فلما وصلنا جاء ، ومعه زبدية كبيرة فيها قمحية بلبن حليب بلحم رميس ، وقال لي : كل ، ثم بقي يغيب ، ويأتي بأشياء أخر ، ويضعها قدّام مماليكي ، وكلما أتى بشيء إلى واحد منهم تعجّب منه ، ويقول : أنا واللّه كنت اشتهيه ، وأحضر أكثر من عشرين لونا ما يطبخ إلا في مطبخ السلطان . قال : وحكى لي شهاب الدين أحمد بن مليح الإسكندري بالإسكندرية ، قال : نويت زيارة الشيخ محمّد في نفسي ، وقلت : لعلي أصادف عنده هيطلية بسمن وعسل آكل منها ، فجاء كتاب وكيل الخاص باستعمال حوائج السلطان ، فعاقني عما عزمت عليه ، فلم يمض غير يومين أو ثلاثة ، وإذا أنا برجل قد أتاني من عند الشيخ ، وقال : الشيخ يسلّم عليك ، وقد بعث لك هذا السمن والعسل ؛ ليعمل لك هيطلية وتأكل بهما ، ولو كانت تحمل إليك لبعث بها . قال : وقد زعم قوم أن هذه الكرامات إنما كانت بصناعة مقررة بينه وبين قاضي فوه ،