خليل الصفدي
344
أعيان العصر وأعوان النصر
فإنهما كانا روحين في جسد ، وكان قد تحصّن بالشيخ ، فلا يقدر قاضي القضاة ولا أحد على عزله ، وطال ذيله ، وأكثر من تسجيل البلاد والتجارة ، والولاة ترعاه ، إما لاعتقاد في الشيخ ، أو لرجاء العناية من الشيخ بهم عند الدولة ، فنمت أمواله ، وصلحت حاله ، واتسعت دائرة سعادته ، ولم يبق له دأب إلا يلقى من يصل من ذوي الأقدار ؛ قاصدا زيارة الشيخ ؛ لأن « فوه » طريق « منية مرشد » ، فإذا وصل الزائر أنزله وأضافه ، وشرع في محادثته ومحادثة من معه ، حتى يقف على ما في خواطرهم وما يقترحونه ، ثم إنه يبعث إلى الشيخ بذلك على دواب مركّزة في الطريق بينهما ، ويمده من الأصناف بما لعله لا يكون عنده ، ويعطيه حلية كل رجل من المذكورين واسمه . قلت : هذا فيه بعد إلى الغاية ، وهذا يريد أموالا كثيرة ينفقها القاضي أولا على الزائرين ، ثم إنه يجهز إلى الشيخ بما يطعم به زوّاره ثانيا ، ولعل الذي كان يشتهي المأكول ، أو المشروب يشتهيه بعد فراق القاضي في نفسه ، فمن أين يعلم الشيخ بذلك أيضا ، فما كل من قصد الشيخ يعمل طريقه على فوه ، ويجتمع بالقاضي . واستفاض أنه ما راح أحد ، وتمنّى شيئا يأكله أو يشربه إلا ، وجاءه الشيخ به . وكان الشيخ - رحمه اللّه تعالى - أسمر مبدنا ربعة من الرجال ، حسن الشكل منور الصورة ، ومات - رحمه اللّه تعالى - ، وقد قارب الستين ، وكان يفتي من يسأله من غير أن يكتب خطه . 1632 - محمّد بن عبد اللّه بن الحسين « 1 » ابن علي بن عبد اللّه الزرزالي الإربلي الدمشقي ، قاضي القضاة العلامة شهاب الدين أبو الفرج ، وأبو عبد اللّه بن الإمام مجد الدين . سمع من ابن أبي اليسر ، ومظفر بن عبد الصمد الصائغ ، والفخر عليّ ، وابن أبي عمر ، وأبي بكر بن الأنماطي ، وابن الصابوني ، وعبد الواسع الأبهري ، والنجم بن المجاور ، وابن الواسطي ، وابن الزين ، وابن بلبان وغيرهم . وكتب الطباق ، وسمع كثيرا ، وأفتى ودرّس ، وجوّد العربية والفقه ، وكان في الشروط آية ، وفي معرفة الأحكام ونقضها وإبرامها غاية ، وكان في المكارم لا يجارى ، وفي الجود لا يبارى ، وله على الناس خدم ، وفي المروة رسوخ قدم ، ينظر في المكتوب نظرة واحدة ، فيعرف فساده من صلاحه ، ويزيل منه واوا ، أو يزيده ألفا ، فيأتي بالمراد على اصطلاحه ،
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 5 / 1258 ، والوافي بالوفيات : 3 / 373 ، وذيول العبر : 201 ، والبداية والنهاية : 14 / 181 ، والنجوم الزاهرة : 9 / 314 .