خليل الصفدي

342

أعيان العصر وأعوان النصر

ولا جناح ، وسمحنا بنفوس نفائس في طلب الجنة والسماح رباح ، وينهى أن المشرف العالي ورد إليه ، فتنسّم أرواح قربه ، وأوجد مسرّات قلبه ، وأعدم مضرات كربه ، وأبهجه الكتاب بعبير رياه ، وألهجه الخطاب تعبير رؤياه ، فرأى خطه وشيا مرقوما ، ولفظه رحيقا مختوما ، ووجده محتويا على درر كلامية ، وبشر مناميه ، وحديث نفس عصاميه . نرجو من اللّه أن نشاهد ذلك أيقاظا ، ونكون لأبنائه حفاظا ، وهو كتاب طويل ، وأجاب عنه شيخنا فتح الدين ، وقد أثبتهما في الجزء الأول من التذكرة التي لي . 1631 - محمّد بن عبد اللّه بن المجد إبراهيم « 1 » الشيخ الكبير المشهور الصالح المرشدي . قرأ على ضياء الدين بن عبد الرحيم ، وتلا على الصائغ ، وكان فقيها شافعي المذهب . وكانت له أحوال ، وهمّة عظيمة في خدمة الناس على مر السنين والأحوال ، يطعم الناس الذين يردون عليه ، ويأتي لكل واحد بما في خاطره ، ويقدمه بين يديه ، اشتهر هذا الأمر عنه وذاع ، وامتلأت به النواحي والبقاع ، ولو ورد عليه من الألف نفس فما دونها ، أو جاءوه في أي وقت ، كان من غير هدية يهدونها ، وجدوا ما يكفيهم ، ويكفي دوابهم وشيوخهم وشوابهم ، ولم يكن يقبل لأحد شيئا البتة ، وتحيّل الناس عليه في مثل هذا ، فحالما علم به رده بغتة . ولم يزل على حاله إلى أن راح إلى خالقه على سداد ، وسكن لحده إلى يوم المعاد ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة . كان يحكي عجائب ، يحار لها السامع من إحضاره الأطعمة الكثيرة للواردين ، وكل من حضر ، وخطر بباله في الطريق قبل وصوله إليه شيء من المآكل الغريبة ، أحضره إليه ، ووضعه قدّامه على الخصوص ، وكان مقامه بقرية « منية مرشد » بالقرب من بلد « فوه » بالديار المصرية . تحيّل السلطان الملك الناصر محمّد ، وجهز له مع الأمير سيف الدين بكتمر الساقي حملة من الذهب ، فغالطه في قبولها ، ودسها معه في مأكول جهزه معه إلى السلطان ، وحج في هيئة كبيرة وتلامذة ، أنفق في ليلة ما قيمته ألفان وخمس مائة درهم ، وقيل : إنه أنفق في ثلاث ليال ما قيمته ألف دينار ، وكان يأتيه الأمراء الكبار ومن دونهم من الفقراء ، فيقوم

--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 5 / 1247 ، والوافي بالوفيات : 3 / 372 ، وشذرات الذهب : 6 / 116 ، وذيول العبر : 198 ، والنجوم الزاهرة : 9 / 313 ، والبداية والنهاية : 14 / 179 .